22/08/2026
أشدّ ما يستعصي على الكشف....... لا بحجبه، بل بفائض حضوره.......
في البدء، كانت الكلمة أداة الإنسان الأولى لترويض اتساع الوجود؛ يضع بها حدوداً لما يجهله، ثم ينسى أن تلك الحدود صاغها هو. وما إن يستقر اللفظ حتى يبدأ الوهم أن ما أُحكم في اللغة قد أُحكم في الواقع، وأن القدرة على تعريف الشيء تساوي القدرة على معرفة حقيقته. هكذا تحولت اللغة من وسيلة لفهم العالم إلى سلطة أوهمت الإنسان طويلاً أنه أحاط بما لم يبرهن قط أنه أحاط به.
ولم يكن سعي الإنسان لابتداع عقلٍ موازٍ وليد هذا العصر، بل امتداداً لقلق وجودي عتيق؛ من تمثال بجماليون المنحوت برغبة الحياة، إلى خيمياء القرون الوسطى الساعية لبث الروح في الطين، وصولاً إلى الدمى الميكانيكية في القرن الثامن عشر. كان الإنسان دوماً مدفوعاً برهبة عزلته الكونية ورغبته في كسرها. غير أن المفارقة تكمن في عجزه عن إبقاء صنيعه مجرد أداة محايدة؛ يمنحه شكلاً ووظيفة، ثم تتولى المخيلة إتمام ما عجزت عنه المادة، لترفعه في وعيه إلى رتبة الند والمنافس. يخلق كائناً ليوكل إليه أعباءه، ثم لا يلبث أن يُسقط عليه هاجس التمرد ومنازعة الصانع على سلطانه، ثم يرتعد من سطوة هيكل صامت لن يغادر حدوده.
وهنا تحديداً تبرز وظيفة التاريخ بوصفه سجلاً كلياً لتحولات النفس البشرية ومستودعاً لأوهامها وصراعاتها الدفينة، لا مجرد تدوين للوقائع وحصر للأسماء والتواريخ. إن قيمته المعرفية تكمن في الكشف عن ذلك الجذر الممتد في الوعي الإنساني؛ فالافتتان بصنع الشبيه لم يبدأ مع الحواسيب المعاصرة، ولا هو وليد صياغة مصطلح "الذكاء الاصطناعي"، بل تتويج لمسار نفسي ولغوي امتد قروناً، اعتاد فيه الإنسان الخلط بين الأثر ومصدره، وبين محاكاة الفعل وحقيقة الفاعل، وبين مظهر الأداء وماهية الوعي.
في مطلع القرن الثالث عشر، وضع بديع الزمان الجزري في بلاط ديار بكر مصنفه الشهير الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل، موثقاً فيه نماذج هندسية بالغة التعقيد خلدت اسمه في تاريخ الميكانيكا. وسواء تأمل المرء ساعاته المائية أو آلياته الهيدروليكية، فإن الاكتفاء بالانبهار الصرف بالصنعة يحجب السؤال الأعمق حين يمتلك الإنسان القدرة على نقل الفعل البشري إلى بنية مادية، ما الذي يبحث عنه ليكون موضوع النقل أولاً؟
لم تكن آلات الجزري مجرد استعراض تقني للحركة، بل تجسيداً دقيقاً لفعل الخدمة في أدق طقوسه اليومية، كما تجلى في آلته الشهيرة المخصصة للوضوء وغسل اليدين؛ إذ صمم غلاماً ميكانيكياً منتصب القامة، يحمل في يده إبريقاً وفي الأخرى منشفة، ومزوداً بمنظومة داخلية محكمة من الروافع والعوامات وصمامات التفريغ. وحين تبدأ الدورة الحركية، يتقدم الصنيع أو يميل بذراعه ليصب قدراً محسوباً ومتقطعاً من الماء يكفي لغسل اليدين، مفسحاً فاصلاً زمنياً دقيقاً بين كل دفقة وأخرى لإتمام الغسل، ثم يتحرك ذراعه الآخر بعد انقطاع الماء ليمد المنشفة للمتطهر، بل ويقدم أحياناً مشطاً ومرآة، قبل أن يعود إلى وضعه الأصلي فور اكتمال الفعل.
وحين دخلت أوروبا القرن الثامن عشر مثقلة برؤى الميكانيكا وفلسفات تفسير الجسد، تجاوز الطموح مجرد نقل حركة وظيفية ليقترب من التخوم الفاصلة بين الكائن الحي والجماد المصنوع. في هذا المناخ، قدّم جاك دو فوكانسون عام 1738 أمام جمهور باريس آلته الشهيرة المصممة على هيئة بطة بالحجم الطبيعي من النحاس المذهب؛ قُدمت على أنها بطة ميكانيكية تأكل الحبوب، وتشرب الماء، وتهضم، وتطرح ما أكلته. لم يكن العرض مجرد تسلية عابرة، بل انطوى على وعد فلسفي يلامس صميم العصر؛ إذ رأى فيه المتلقي إمكانية اختزال سر الحياة ذاته في ترتيبات مادية من التروس والأنابيب والحركة.
غير أن ما ظهر على هيئة هضم لم يكن هضماً بالمعنى الحيوي للكلمة، بل كانت المادة الخارجة مُعدّة سلفاً في تجويف خفي لتؤدي المشهد بدلاً من أن تكون نتاج تحول الطعام الذي تم هضمه. وهنا لا تكمن المسألة في براعة فوكانسون أو حيلته، بل في المسار الذي سلكه الوعي لحظة المشاهدة؛ فقد دخل شيء ثم خرج شيء آخر، وتكفل الذهن بملء الفراغ بين الحدين بالعملية التي أراد تصديقها. لم يشهد الحاضرون هضماً قط، بل شاهدوا أثرين منفصلين وأقاموا بينهما جسراً من الوهم التفسيري.
وهذا هو المنزلق المعرفي الذي سيتكرر مراراً في تاريخ العلاقة بين الإنسان والآلة؛ فالإنسان نادراً ما يكتفي بتوصيف الأثر الظاهر، بل يسارع إلى اختلاق ماهية باطنية تبرره، وما إن تستقر هذه الماهية في قوالب اللغة حتى تتحول في وعيه إلى حقيقة راسخة. لم تكن البطة بحاجة إلى أن تكون كائناً حياً لتنتزع التصديق، بل كان يكفيها أن تمنح العصر ما رغب في رؤيته، بينما تكفل العقل البشري بإتمام ما عجزت الآلة عن تحقيقه؛ ليغدو الوهم صنيعة ذاتية يشارك فيها العقل نفسه، يُسقط اعتقاده على المادة الصامتة ثم يتعامل مع المجموع بوصفه حقيقة نابعة من الآلة ذاتها.
بعد ذلك بنحو ثلاثة عقود، ظهر الترك الميكانيكي عام 1770 على يد كيمبلين، ليضع الوعي أمام نموذج مؤسس لقانون سيمتد لقرون؛ تمثال بلباس عثماني يجلس قبالة رقعة الشطرنج، يواجه البشر، ويحرك القطع بدقة محققاً انتصارات متتالية أمام شخصيات تاريخية كان من بينها نابليون. غير أن القدرة الذهنية المنسوبة إلى التمثال لم تكن كامنة في تروسه، بل كان ثمة لاعب بشري مختبئ داخل التجويف السفلي، يرصد النقلات، ويفكر، ويقرر، بينما تنقل الرافعات قراره إلى الذراع الظاهرة أمام الناظرين.
إن اختزال هذه الواقعة في حدود الخدعة المسرحية يحجب نموذجاً معرفياً بالغ الأهمية؛ فالقرار يُصنع في موضع خفي، والأثر يتبدى في موضع آخر ظاهر، وحين يعجز المتلقي عن معاينة المصدر الحقيقي، يسارع إلى نسبة القدرة إلى الحامل المادي المباشر. هكذا يُحجب الإنسان المفكر ويبقى التمثال المتحرك، ثم تتدخل اللغة لتسد الفجوة وتخلع على مجرد الحركة اسم التفكير. لم يُهزم نابليون أمام آلة تدرك الشطرنج، بل عاش تجربة ظاهرة حاكت الهزيمة أمام آلة، وتلك المسافة بين ما جرى حقيقة وما بدا أنه جرى هي جوهر المسألة بأسرها.
لا يعاين الإنسان التفكير في غيره معاينة مباشرة، بل يستدل على حضوره عبر تتبع الأثر، والاستجابة، وحسن الاختيار؛ وحين استطاع كيمبلين توليد الأثر وحجب مصدره، كان قد وظف آليات الإدراك البشري ذاتها ضد صاحبها. وما يمنح هذا المشهد ثقله المعرفي أن النمط لم يندثر بكشف الستار عن الترك، بل استمر وتطور عبر نماذج لاحقة.
تجدد بصورة أكثر استعراضية عام 1868 في لندن حين صمم صانع الخزائن البريطاني تشارلز هوبر تمثال عجيب Ajeeb بهيئة شرقية مماثلة ليلعب الشطرنج والداما أمام الملأ. حظي التمثال بشهرة واسعة وانتقل إلى نيويورك ليصبح لسنوات طويلة من أبرز عروض متحف إيدن. حيث واجه الجمهور والمشاهير، وكان من بين اللاعبين الكبار الذين عملوا سراً في جوفه لاحقاً بطل الشطرنج الأمريكي الشهير هاري نيلسون بيلسبري، أحد أعظم عباقرة اللعبة تاريخياً.
اعتمد عجيب حيلة الترك ذاتها؛ إذ لم تكن التروس الظاهرة سوى أداة تضليل لتعزيز صورة الأتمتة، حيث يُدار مفتاح ضخم أمام الجمهور بدعوى شحن الجهاز، وتُفتح أبواب الصدر والظهر لتأكيد خلوه من البشر، بينما يناور اللاعب البشري بجسده في مساحة ضيقة خلف قماش داكن وترتيبات عازلة، حتى إذا أُغلقت الأبواب استعاد وضعه ليمسك بروافع داخلية تحرك الذراع والأصابع لالتقاط القطع ونقلها، وتدير الرأس بإيماءات تحاكي التردد الإنساني. وتؤكد وثائق مؤسسة سميثسونيان وجود ألواح مخفية داخل القاعدة تحجب المشغلين وهم يديرون النقلات؛ فحين كان "عجيب" يتوقف أمام وضعية معقدة ليحرك حصاناً ويهزم خصمه، لم يكن ثمة أي تفكير ميكانيكي، بل كان العقل البشري القابع في الداخل هو المفكر، والتمثال مجرد أداة لتنفيذ اختياره.
غير أن النقلة الأكثر عمقاً ودهاءً تجلت عام 1878 بظهور ميفيستو Mephisto، الذي ابتكره الميكانيكي والكهربائي تشارلز غودفري غومبل بعد سنوات من البحث مستفيداً من خبرته في صناعة الأطراف التعويضية. تجاوز غومبل شبهة الصندوق الضخم ووضع تمثاله قبالة طاولة مكشوفة اعتيادية تبدد فوراً فرضية وجود إنسان محشور في الداخل، وكان المتلقي على حق في خلو الجسد الميكانيكي، بيد أن الإنسان لم يختفِ بل أُزيح إلى غرفة أخرى منفصلة. تولى تشغيل الجهاز سراً أستاذ الشطرنج البارز إيسيدور غونسبرغ ، الذي نافس لاحقاً على بطولة العالم ضد فيلهلم شتاينتس؛ فكان غونسبرغ يرصد مجريات الرقعة عن بعد، يحلل الوضعيات، ثم يرسل أوامره عبر نظام كهروميكانيكي وكهرومغناطيسي، فتمتد ذراع ميفيستو لتلتقط القطعة وتضعها في المربع المحدد بدقة متناهية.
وبلغت الحيلة مداها حين خاض ميفيستو بطولة مقاطعات الشطرنج Counties Chess Association عام 1878 وانتزع المركز الأول وعقله البشري يقبع خلف الجدران، وواصل عروضه لسنوات وشارك في معرض باريس عام 1889 تحت إدارة لاعب الشطرنج المحترف جان توبنهاوس. أما المخططات الهندسية التفصيلية الكاملة وتوصيلات الدارات الدقيقة، فلم تُنشر للعامة قط، وقد فُككت الآلة بعد معرض باريس عام 1889 وضاعت تفاصيل بنائها المباشر، لتبقى في التاريخ بوصفها أول نموذج جسّد فكرة فصل العقل عن الواجهة مسافةً ومكاناً.
وفي عام 1920، دخل هذا المسار مرحلة لغوية مفصلية حين كتب الأديب التشيكي كارل تشابيك مسرحيته الشهيرة روبوتات روسوم العالمية R.U.R، حيث اقترح عليه شقيقه الرسام والكاتب يوزف تشابيك استبدال التسمية اللاتينية المقترحة بلفظ مشتق من بيئتهما اللغوية، فكانت ولادة كلمة الروبوت Robot. لم ينبثق هذا اللفظ من حقل دلالي يتصل بالحكمة، أو العقل، أو المعرفة التجريدية، بل خرج من صميم المعجم الطبقي للعبودية والعمل الإجباري؛ فكلمة robota في اللغة التشيكية تدل صراحة على عمل السُّخرة الشاق، ويُشتق منها robotník للإشارة إلى الفلاح المستعبد المُلزم بالعمل الإجباري في أرض سيده الإقطاعي دون إرادة.
ويمتد هذا التأسيس إلى الجذر السلافي الأقدم orbъ، الذي تفرعت منه في الروسية مفردة раб، أي العبد الخاضع لسلطة غيره. يفضح هذا الجذر الاشتقاقي الحقيقة التي سعت المخيلة المعاصرة إلى مواراتها؛ فالصنيع في المسرحية لم يولد ليكون فيلسوفاً معدنياً، بل صُمم بوصفه عبداً مُستحدثاً، لكي ينتزع منه المجتمع ثمرة الإنتاج ويحذف من المعادلة مطالب الكادح وحقوقه.
يكشف هذا الأصل المعجمي أن مركز الثقل في الحلم البشري لم يكن يوماً هو العقل كما تسوق الرواية السائدة اليوم، بل كان هاجس الطاعة وإمكانية حيازة الفعل مجرداً من ثقله الأخلاقي أمام الحقيقة الدلالية المباشرة؛ إذ يتبين أن إطلاق وصف روبوت بشري اليوم ليس تعبيراً بريئاً يُقصد به مجرد هيكل ميكانيكي يحاكي هيئة الإنسان، بل هو في أصله التاريخي تصريح بوجود عبد بشري مُستحدث.
ومن هنا يمتد خيط معرفي متصل لا تخطئه البصيرة؛ فكلما تقدمت الحضارة في أدواتها، أعادت طرح السؤال الوجودي ذاته بصيغة جديدة كيف نقتنص الجهد الإنساني ونعزل الوظيفة عن صاحبها، مع إسقاط ما يلازم الذات البشرية من كَلَل، واعتراض، وحاجة مشروعة إلى الاعتراف؟
ثم جاء برنامج ELIZA في منتصف ستينيات القرن العشرين، ليدشن منعطفاً جذرياً كشف فيه أن الإنسان لم يعد بحاجة إلى هيكل معدني يتحرك أمامه كي يخلع على المصنوع صفات الوعي، وأن اللغة وحدها باتت قادرة على توليد حضور وهمي عجزت الصناديق والتروس الميكانيكية القديمة عن مضاهاة تأثيره. طوّر هذا البرنامج عالم الحاسوب الأمريكي ذو الأصول الألمانية وأستاذ الذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، جوزيف فايزنباوم ، الذي استلهم تسميته من شخصية إليزا دوليتل في مسرحية بجماليون لجورج برنارد شو، رغبةً منه في إثبات سطحية التواصل بين الإنسان والآلة وتجريد الآلة من هالة القداسة الحسابية.
بنى فايزنباوم برنامجه عبر سيناريو شهير أطلق عليه اسم DOCTOR، صُمم لمحاكاة أسلوب المعالج النفسي في مدرسة كارل روجرز القائمة على الإنصات وإعادة توجيه حديث المريض؛ إذ لم تكن الآلية سوى بضع مئات من الأسطر البرمجية التي تلتقط الكلمات المفتاحية في الجملة المدخلة، وتعيد تدويرها وصياغتها في صورة أسئلة مفتوحة دون أي استيعاب لمعانيها، أو استخدام عبارات جاهزة لاستدراج المتحدث عند غياب الكلمات المفتاحية. وعلى الرغم من أن البرنامج كان مفرغاً من أدنى تجربة باطنية للحزن، أو الفقد، أو الخوف، فقد ذُهل فايزنباوم نفسه حين وجد سكرتيرته الخاصة، التي عاينت كتابة الشيفرة البرمجية واطلعت على خواء النظام، تطلب منه مغادرة الغرفة لتنعم بالحديث مع البرنامج في شؤونها الشخصية في حالة من الإسقاط العاطفي الصريح.
هنا تحديداً تقع النقلة المعرفية الأخطر في تاريخ الظاهرة؛ إذ لم يعد وجود مشغل بشري خفي ضرورياً لتمرير الحيلة كما كان الحال في دمى الشطرنج القديمة، بل أصبح المتلقي نفسه هو من يتكفل بملء الفراغ الدلالي من تلقاء ذاته. تصل العبارة في قالب لغوي متماسك، فيفترض الذهن وجود قصدية واعية تقف وراءها؛ وتأتي الاستجابة في موضعها المنطقي، فيخلع عليها المتحدث فهماً باطنياً، ليتولد حضور وهمي كامل لا لكون النظام أثبت إدراكه، بل لأن الإنسان لم يعهد اللغة في تاريخه إلا بوصفها صوتاً صادراً عن كائن يحمل تجربة شعورية ووعياً حياً.
في تلك اللحظة المفصلية، يتجاوز أثر ELIZA تجربة الترك الميكانيكي؛ فالتمثال القديم تطلب لاعباً بشرياً حقيقياً يمارس التفكير في الخفاء، بينما نجح البرنامج البسيط في دفع العقل البشري إلى اختلاق الوعي وإنتاجه دون حاجة إلى وجود عقل حاضر خلف الشاشة. لم يعد السؤال الفلسفي رهيناً بما تنتجه الآلة في ذاتها، بل بما يمارسه الإنسان حين يواجه لغة تشبه لغته؛ فنحن لا نستقبل الكلمات كرموز برمجية محايدة، بل نشحنها برصيدنا التاريخي من التفاعل الوجداني، وحين تبثها الآلة نُسقط ذلك الرصيد برمته عليها، حتى يعجز الوعي لاحقاً عن التمييز بين ما ولّده النظام المادي وما ابتدعته مخيلته هو.
وفي عام 2005، بلغ هذا المسار التاريخي ذروته حين واجهت شركة أمازون عجزاً بنيوياً في صميم النموذج الحاسوبي. كانت الحواسيب قادرة على معالجة أعقد المعادلات الرياضية، لكنها وقفت عاجزة تماماً أمام أبسط العمليات الإدراكية التي ينجزها العقل البشري ببديهية مطلقة.
لقد تفاقمت هذه المعضلة داخل متجر أمازون مع فتح الباب لآلاف التجار المستقلين؛ إذ تراكمت ملايين الإعلانات للسلع نفسها بصور ملتقطة من زوايا متباينة أو بأسماء كُتبت باختلافات طفيفة، فعجزت البرمجيات عن إدراك أنها لمنتج واحد لدمجها، بينما يحسم ذلك أي إنسان بنظرة خاطفة. وتكرر العجز ذاته حين أطلقت الشركة مشروعاً لبناء دليل تجاري للمدن، حيث صُوّرت الشوارع بكاميرات متحركة لربط المتاجر بمواقعها، فوقفت البرمجيات عاجزة عن قراءة لافتات المطاعم وسط زحام المباني أو تمييز واجهة المحل التجاري من محيطه.
أمام هذا العجز التقني الفادح، لم تنتظر أمازون اختراع خوارزمية خارقة، بل استدعت اسم دمية الشطرنج القديمة وأطلقت خدمتها الشهيرة ميكانيكال تورك Mechanical Turk لتكشف الحقيقة بلا مواربة؛ إذ وصفت العملية رسمياً بأنها الذكاء الاصطناعي المصطنع Artificial Artificial Intelligence. يكمن المعنى الصريح لهذا التعبير في مفارقة ساخرة وواضحة: إذا كان الذكاء الاصطناعي يعني جعل الآلة تؤدي وظيفة بشرية، فإن الذكاء الاصطناعي المصطنع يعني اصطناع وجود ذكاء الآلة ذاته بواسطة بشر حقيقيين لأن الآلة عاجزة عن أداء المهمة؛ ولهذا سُميت كل وحدة عمل مهمة ذكاء بشري Human Intelligence Task واختصارها HIT، في اعتراف معلن بأن ما يجري شراؤه ليس ذكاءً برمجياً بل ذكاء بشري يُستدعى برمجياً عند الطلب.
وسرعان ما أدركت أمازون أن هذا العجز ليس شأناً يخص متجرها وحده، بل هو مأزق تشترك فيه صناعة البرمجيات بأسرها؛ فحوّلت الأداة من حلّ داخلي إلى منصة تجارية وسوق عامة باعتها للشركات ومراكز الأبحاث حول العالم. وفرت المنصة للمؤسسات الخارجية واجهة برمجية تتيح لها تجزئة مشاريعها الضخمة، كفرز ملايين الصور أو تفريغ التسجيلات الصوتية، وتوزيعها على مئات الآلاف من البشر المتصلين بالإنترنت عبر القارات لإنجازها بالتوازي مقابل سنتات زهيدة، لتعود النتائج إلى الأنظمة الحاسوبية لتلك الشركات بصورة منسقة وخاطفة، فيبدو المشهد للمستخدم النهائي كأن الآلة وحدها هي التي حققت الإنجاز بعقلها الذاتي.
في الثامن عشر من يناير 2023، نشرت مجلة TIME تحقيقاً استقصائياً كشف الوجه الحقيقي الخفي لعملية تجهيز وتدريب نموذج ChatGPT قبل إطلاقه للجمهور؛ حيث تعاقدت شركة OpenAI في وادي السيليكون مع شركة Sama المتخصصة في التعهيد الخارجي ومقرها سان فرانسيسكو، لتشغيل عمالة أفريقية منخفضة الأجر في العاصمة الكينية نيروبي. كان هؤلاء العمال، ومن بينهم شباب ومعيلون يبحثون عن لقمة العيش مثل ريتشارد ماثينجي وزملائه، يُجبرون على قراءة وتصنيف ما بين 150 إلى 250 نصاً في كل نوبة عمل تمتد تسع ساعات يومياً، تحتوي على أقسى ما أنتجته البشرية من أوصاف مروعة للاعتداء الجنسي على الأطفال، وسفاح القربى، والبهيمية، والتعذيب، والانتحار، وقتل النفس، لفرزها ووضع وسوم تصنيفية تسمح بتدريب مرشحات الأمان للنموذج.
كشفت وثائق التحقيق وكشوف الأجور الرسمية أن هؤلاء العمال الكينيين كانوا يتقاضون أجراً صافياً يتراوح بين 1.32 إلى دولارين فقط في الساعة الواحدة، أي ما يعادل نحو 170 دولاراً شهرياً، في حين كانت شركة Sama تتقاضى من OpenAI نحو 12.50 دولاراً عن كل ساعة عمل للمشروع. وأفاد العمال بأنهم أصيبوا باضطرابات نفسية حادة، وكوابيس مستمرة، ورؤى متكررة للمشاهد الفظيعة التي قرؤوها، ووصف أحدهم العمل بأنه كان تعذيباً نفسياً ممنهجاً، ولم تجدِ معهم جلسات الدعم النفسي الشكلية التي قدمتها الشركة، مما قاد في النهاية إلى إنهاء العقد مبكراً في فبراير 2022 بعد أن بدأت الشركة بمطالبتهم بتصنيف صور إباحية وغير قانونية شديدة الفظاعة.
هنا تسقط العبارة التقنية جُعل النموذج أكثر أماناً، لأنها تمحو من التاريخ الوجه البشري الذي تجرع قسوة المحتوى وتطمس آلام هؤلاء الشباب الكينيين الذين استُنزفت صحتهم النفسية لكي تظهر الواجهة في الطرف الآخر نقية ومهذبة؛ فالأمان المزعوم لم ينبثق كفضيلة خوارزمية من صلب الآلة، بل كان نتاج استغلال مباشر لطبقة من الكادحين المهمشين، جرى إخفاؤهم خلف بريق التقنية، ليُنسب الإنجاز الأخلاقي بكامله إلى الآلة الصامتة، التي تمتّعت بمصطلح ذكاء اصطناعي. هنا يكمن السؤال إن كانت الآلة تنتظر البشر للقيام بالتصنيف والمعرفة والفهم، فأين يكمن مصطلح الذكاء فيها؟
ولم تكن كينيا واقعة استثنائية، ففي الثامن والعشرين من أغسطس 2023 نشرت صحيفة The Washington Post تحقيقاً واسعاً من الفلبين كشف طبيعة الطبقة العاملة المسؤولة عن تغذية هذه النماذج عبر منصة Remotasks التابعة لشركة Scale AI في وادي السيليكون؛ حيث تبين أن هؤلاء العمال ليسوا مهندسي برمجيات أو باحثين أكاديميين، بل جيش من الشباب وطلاب الجامعات والعمال المستقلين والمهمشين اقتصادياً في مدن ومقاطعات جنوب الفلبين مثل كاجايان دي أورو وجزيرة مينداناو. يعمل هؤلاء لساعات طويلة داخل مقاهي إنترنت مظلمة، أو غرف ضيقة فوق متاجر الحواسيب، أو في منازل متهالكة تفتقر إلى أدنى معايير الحماية القانونية وظروف العمل العادل، ليتحولوا إلى ما يشبه عمال السخرة الرقمية.
جلس هؤلاء العمال ليميزوا المشاة من الأشجار، ويحددوا المسارات للمركبات ذاتية القيادة، ويعدلوا النصوص المولدة آلياً، محولين العالم الواقعي المضطرب إلى بيانات مهندسة تتغذى عليها شركات التكنولوجيا الكبرى؛ وقد وثق التحقيق، عبر شهادات ستة وثلاثين عاملاً، كيف يتقاضى هؤلاء أجوراً تقل كثيراً عن الحد الأدنى القانوني للأجور في الفلبين، وتتعرض مستحقاتهم لتأخير روتيني أو اقتطاع تعسفي مع التهديد الدائم بحظر حساباتهم إذا احتجوا.
روت العاملة الشابة شاريز البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاماً كيف أفضى عملها الشاق لأربع ساعات متواصلة إلى ثلاثين سنتاً فقط بدلاً من دولارين، بينما تحدث عامل آخر في السادسة والعشرين عن استنزاف ثلاثة أيام كاملة في مشروع انتهى بحصوله على اثني عشر دولاراً بدلاً من خمسين. ورغم تبرير الشركة بأن هذه الحالات نادرة، فإن التحقيق فضح طبقة من البروليتاريا الرقمية المستترة التي تؤسس المجد المالي لكبرى الشركات التقنية، وتدفن كل هذا الكدح الإنساني تحت العبارة الهندسية البريئة تم تدريب النموذج على بيانات مصنفة.
لم تعد هذه الوقائع، بعد أن اجتمعت في خط واحد، حوادث متفرقة يمكن ردّ كل واحدة منها إلى زمنها ثم إغلاق صفحتها. وليس في قفص هذه المحكمة آلة كي نعلن براءتها أو إدانتها؛ فذلك سيكون الخطأ الأكثر سخرية، أن نستدعي المصنوع كأنه يملك وعياً إنسانياً وفعلها بنفسه، لنجعله ذاتاً أخلاقية تقبل البراءة أو الإدانة.
المتهم هنا أقدم من الآلة وأوسع من مستخدمها الفردي؛ إنه الإنسان في كامل السلسلة التي صنعها. ابتكر الأداة، ووضع لها اسماً أوسع من البرهان، فصل النتيجة عن تاريخ إنتاجها، ووضع أمام نفسه واجهة تتكلم بلغته وتجيبه بصيغة من صيغ حضوره. لم يتشكل هذا الوهم بمجرد استجابة سطحية لنص مكتوب؛ بل احتاج إلى تاريخ كامل من الهندسة واللغة والترويج والترتيب والإخفاء والاختزال، حتى تصل النتيجة في النهاية نظيفة من أسبابها، ولا تبقى أمام العقل إلا كلمة واحدة تختصر كل ما توارى وراءها الذكاء الصناعي.
وعندئذ لا يكون السؤال إن كانت الآلة تملك وعياً، لأن السؤال نفسه ينبع من وهم لغوي وإسقاط قصدي ينسب الصفة إلى غير موضعها. ولا يكون السؤال إن كان الإنسان قد خدع نفسه وحده، لأن ذلك يمحو شروط الصناعة التي أنتجت هذا الوهم. السؤال الأشد قسوة هو كيف استطاع الإنسان أن يبني منظومةً تُوزَّع فيها أعمال آلاف العقول بين تصنيف النصوص واتخاذ القرارات، ثم تُجمع آثارها داخل بنية واحدة، وتُمحى من المشهد السلسلة التي أفضت إليها، ليقف الإنسان أمامها متسائلاً إن كان قد وُلد عقل آخر.
هنا تبلغ المحاكمة غايتها، لأن المتهم لم يعد فرداً ، بل حضارة كاملة استطاعت أن تصنع المظهر، واللفظ، والبرهان الذي تستشهد به، ثم تنسى أنها صنعت الثلاثة معاً. هذه ليست سوى بداية لمسار أعمق وراء مصطلح الذكاء لم يُروَ تاريخه بعد، ولم تُكشف كامل طبقاته المستترة.
عبيدة فران