Obaeda Farran

Obaeda Farran Kontaktinformationen, Karte und Wegbeschreibungen, Kontaktformulare, Öffnungszeiten, Dienstleistungen, Bewertungen, Fotos, Videos und Ankündigungen von Obaeda Farran, Nebra.
(1)

Independent Researcher in Philosophy | Philosophy of Mind | Philosophy of Language | Philosophy of History | Founder of The Farran Law of Partial Ambiguity (PACE), A Universal Mathematical Law of Consciousness

أشدّ ما يستعصي على الكشف....... لا بحجبه، بل بفائض حضوره.......في البدء، كانت الكلمة أداة الإنسان الأولى لترويض اتساع ال...
22/08/2026

أشدّ ما يستعصي على الكشف....... لا بحجبه، بل بفائض حضوره.......

في البدء، كانت الكلمة أداة الإنسان الأولى لترويض اتساع الوجود؛ يضع بها حدوداً لما يجهله، ثم ينسى أن تلك الحدود صاغها هو. وما إن يستقر اللفظ حتى يبدأ الوهم أن ما أُحكم في اللغة قد أُحكم في الواقع، وأن القدرة على تعريف الشيء تساوي القدرة على معرفة حقيقته. هكذا تحولت اللغة من وسيلة لفهم العالم إلى سلطة أوهمت الإنسان طويلاً أنه أحاط بما لم يبرهن قط أنه أحاط به.

ولم يكن سعي الإنسان لابتداع عقلٍ موازٍ وليد هذا العصر، بل امتداداً لقلق وجودي عتيق؛ من تمثال بجماليون المنحوت برغبة الحياة، إلى خيمياء القرون الوسطى الساعية لبث الروح في الطين، وصولاً إلى الدمى الميكانيكية في القرن الثامن عشر. كان الإنسان دوماً مدفوعاً برهبة عزلته الكونية ورغبته في كسرها. غير أن المفارقة تكمن في عجزه عن إبقاء صنيعه مجرد أداة محايدة؛ يمنحه شكلاً ووظيفة، ثم تتولى المخيلة إتمام ما عجزت عنه المادة، لترفعه في وعيه إلى رتبة الند والمنافس. يخلق كائناً ليوكل إليه أعباءه، ثم لا يلبث أن يُسقط عليه هاجس التمرد ومنازعة الصانع على سلطانه، ثم يرتعد من سطوة هيكل صامت لن يغادر حدوده.

وهنا تحديداً تبرز وظيفة التاريخ بوصفه سجلاً كلياً لتحولات النفس البشرية ومستودعاً لأوهامها وصراعاتها الدفينة، لا مجرد تدوين للوقائع وحصر للأسماء والتواريخ. إن قيمته المعرفية تكمن في الكشف عن ذلك الجذر الممتد في الوعي الإنساني؛ فالافتتان بصنع الشبيه لم يبدأ مع الحواسيب المعاصرة، ولا هو وليد صياغة مصطلح "الذكاء الاصطناعي"، بل تتويج لمسار نفسي ولغوي امتد قروناً، اعتاد فيه الإنسان الخلط بين الأثر ومصدره، وبين محاكاة الفعل وحقيقة الفاعل، وبين مظهر الأداء وماهية الوعي.

في مطلع القرن الثالث عشر، وضع بديع الزمان الجزري في بلاط ديار بكر مصنفه الشهير ‏الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل‏، موثقاً فيه نماذج هندسية بالغة التعقيد خلدت اسمه في تاريخ الميكانيكا. وسواء تأمل المرء ساعاته المائية أو آلياته الهيدروليكية، فإن الاكتفاء بالانبهار الصرف بالصنعة يحجب السؤال الأعمق‏ حين يمتلك الإنسان القدرة على نقل الفعل البشري إلى بنية مادية، ما الذي يبحث عنه ليكون موضوع النقل أولاً؟

لم تكن آلات الجزري مجرد استعراض تقني للحركة، بل تجسيداً دقيقاً لفعل الخدمة في أدق طقوسه اليومية، كما تجلى في آلته الشهيرة المخصصة للوضوء وغسل اليدين؛ إذ صمم غلاماً ميكانيكياً منتصب القامة، يحمل في يده إبريقاً وفي الأخرى منشفة، ومزوداً بمنظومة داخلية محكمة من الروافع والعوامات وصمامات التفريغ. وحين تبدأ الدورة الحركية، يتقدم الصنيع أو يميل بذراعه ليصب قدراً محسوباً ومتقطعاً من الماء يكفي لغسل اليدين، مفسحاً فاصلاً زمنياً دقيقاً بين كل دفقة وأخرى لإتمام الغسل، ثم يتحرك ذراعه الآخر بعد انقطاع الماء ليمد المنشفة للمتطهر، بل ويقدم أحياناً مشطاً ومرآة، قبل أن يعود إلى وضعه الأصلي فور اكتمال الفعل.

وحين دخلت أوروبا القرن الثامن عشر مثقلة برؤى الميكانيكا وفلسفات تفسير الجسد، تجاوز الطموح مجرد نقل حركة وظيفية ليقترب من التخوم الفاصلة بين الكائن الحي والجماد المصنوع. في هذا المناخ، قدّم جاك دو فوكانسون عام 1738 أمام جمهور باريس آلته الشهيرة المصممة على هيئة بطة بالحجم الطبيعي من النحاس المذهب؛ قُدمت على أنها بطة ميكانيكية تأكل الحبوب، وتشرب الماء، وتهضم، وتطرح ما أكلته. لم يكن العرض مجرد تسلية عابرة، بل انطوى على وعد فلسفي يلامس صميم العصر؛ إذ رأى فيه المتلقي إمكانية اختزال سر الحياة ذاته في ترتيبات مادية من التروس والأنابيب والحركة.

غير أن ما ظهر على هيئة هضم لم يكن هضماً بالمعنى الحيوي للكلمة، بل كانت المادة الخارجة مُعدّة سلفاً في تجويف خفي لتؤدي المشهد بدلاً من أن تكون نتاج تحول الطعام الذي تم هضمه. وهنا لا تكمن المسألة في براعة فوكانسون أو حيلته، بل في المسار الذي سلكه الوعي لحظة المشاهدة؛ فقد دخل شيء ثم خرج شيء آخر، وتكفل الذهن بملء الفراغ بين الحدين بالعملية التي أراد تصديقها. لم يشهد الحاضرون هضماً قط، بل شاهدوا أثرين منفصلين وأقاموا بينهما جسراً من الوهم التفسيري.

وهذا هو المنزلق المعرفي الذي سيتكرر مراراً في تاريخ العلاقة بين الإنسان والآلة؛ فالإنسان نادراً ما يكتفي بتوصيف الأثر الظاهر، بل يسارع إلى اختلاق ماهية باطنية تبرره، وما إن تستقر هذه الماهية في قوالب اللغة حتى تتحول في وعيه إلى حقيقة راسخة. لم تكن البطة بحاجة إلى أن تكون كائناً حياً لتنتزع التصديق، بل كان يكفيها أن تمنح العصر ما رغب في رؤيته، بينما تكفل العقل البشري بإتمام ما عجزت الآلة عن تحقيقه؛ ليغدو الوهم صنيعة ذاتية يشارك فيها العقل نفسه، يُسقط اعتقاده على المادة الصامتة ثم يتعامل مع المجموع بوصفه حقيقة نابعة من الآلة ذاتها.

بعد ذلك بنحو ثلاثة عقود، ظهر ‏الترك الميكانيكي‏ عام 1770 على يد كيمبلين، ليضع الوعي أمام نموذج مؤسس لقانون سيمتد لقرون؛ تمثال بلباس عثماني يجلس قبالة رقعة الشطرنج، يواجه البشر، ويحرك القطع بدقة محققاً انتصارات متتالية أمام شخصيات تاريخية كان من بينها نابليون. غير أن القدرة الذهنية المنسوبة إلى التمثال لم تكن كامنة في تروسه، بل كان ثمة لاعب بشري مختبئ داخل التجويف السفلي، يرصد النقلات، ويفكر، ويقرر، بينما تنقل الرافعات قراره إلى الذراع الظاهرة أمام الناظرين.

إن اختزال هذه الواقعة في حدود الخدعة المسرحية يحجب نموذجاً معرفياً بالغ الأهمية؛ فالقرار يُصنع في موضع خفي، والأثر يتبدى في موضع آخر ظاهر، وحين يعجز المتلقي عن معاينة المصدر الحقيقي، يسارع إلى نسبة القدرة إلى الحامل المادي المباشر. هكذا يُحجب الإنسان المفكر ويبقى التمثال المتحرك، ثم تتدخل اللغة لتسد الفجوة وتخلع على مجرد الحركة اسم ‏التفكير‏. لم يُهزم نابليون أمام آلة تدرك الشطرنج، بل عاش تجربة ظاهرة حاكت الهزيمة أمام آلة، وتلك المسافة بين ما جرى حقيقة وما بدا أنه جرى هي جوهر المسألة بأسرها.

لا يعاين الإنسان التفكير في غيره معاينة مباشرة، بل يستدل على حضوره عبر تتبع الأثر، والاستجابة، وحسن الاختيار؛ وحين استطاع كيمبلين توليد الأثر وحجب مصدره، كان قد وظف آليات الإدراك البشري ذاتها ضد صاحبها. وما يمنح هذا المشهد ثقله المعرفي أن النمط لم يندثر بكشف الستار عن الترك، بل استمر وتطور عبر نماذج لاحقة.

تجدد بصورة أكثر استعراضية عام 1868 في لندن حين صمم صانع الخزائن البريطاني تشارلز هوبر تمثال ‏عجيب‏ ‏Ajeeb‏ بهيئة شرقية مماثلة ليلعب الشطرنج والداما أمام الملأ. حظي التمثال بشهرة واسعة وانتقل إلى نيويورك ليصبح لسنوات طويلة من أبرز عروض متحف إيدن. حيث واجه الجمهور والمشاهير، وكان من بين اللاعبين الكبار الذين عملوا سراً في جوفه لاحقاً بطل الشطرنج الأمريكي الشهير هاري نيلسون بيلسبري، أحد أعظم عباقرة اللعبة تاريخياً.

اعتمد عجيب حيلة الترك ذاتها؛ إذ لم تكن التروس الظاهرة سوى أداة تضليل لتعزيز صورة الأتمتة، حيث يُدار مفتاح ضخم أمام الجمهور بدعوى ‏شحن‏ الجهاز، وتُفتح أبواب الصدر والظهر لتأكيد خلوه من البشر، بينما يناور اللاعب البشري بجسده في مساحة ضيقة خلف قماش داكن وترتيبات عازلة، حتى إذا أُغلقت الأبواب استعاد وضعه ليمسك بروافع داخلية تحرك الذراع والأصابع لالتقاط القطع ونقلها، وتدير الرأس بإيماءات تحاكي التردد الإنساني. وتؤكد وثائق مؤسسة سميثسونيان وجود ألواح مخفية داخل القاعدة تحجب المشغلين وهم يديرون النقلات؛ فحين كان "عجيب" يتوقف أمام وضعية معقدة ليحرك حصاناً ويهزم خصمه، لم يكن ثمة أي تفكير ميكانيكي، بل كان العقل البشري القابع في الداخل هو المفكر، والتمثال مجرد أداة لتنفيذ اختياره.

غير أن النقلة الأكثر عمقاً ودهاءً تجلت عام 1878 بظهور ‏ميفيستو‏ ‏Mephisto‏، الذي ابتكره الميكانيكي والكهربائي تشارلز غودفري غومبل بعد سنوات من البحث مستفيداً من خبرته في صناعة الأطراف التعويضية. تجاوز غومبل شبهة الصندوق الضخم ووضع تمثاله قبالة طاولة مكشوفة اعتيادية تبدد فوراً فرضية وجود إنسان محشور في الداخل، وكان المتلقي على حق في خلو الجسد الميكانيكي، بيد أن الإنسان لم يختفِ بل أُزيح إلى غرفة أخرى منفصلة. تولى تشغيل الجهاز سراً أستاذ الشطرنج البارز إيسيدور غونسبرغ ‏، الذي نافس لاحقاً على بطولة العالم ضد فيلهلم شتاينتس؛ فكان غونسبرغ يرصد مجريات الرقعة عن بعد، يحلل الوضعيات، ثم يرسل أوامره عبر نظام كهروميكانيكي وكهرومغناطيسي، فتمتد ذراع ‏ميفيستو‏ لتلتقط القطعة وتضعها في المربع المحدد بدقة متناهية.

وبلغت الحيلة مداها حين خاض ‏ميفيستو‏ بطولة مقاطعات الشطرنج ‏Counties Chess Association‏ عام 1878 وانتزع المركز الأول وعقله البشري يقبع خلف الجدران، وواصل عروضه لسنوات وشارك في معرض باريس عام 1889 تحت إدارة لاعب الشطرنج المحترف جان توبنهاوس. أما المخططات الهندسية التفصيلية الكاملة وتوصيلات الدارات الدقيقة، فلم تُنشر للعامة قط، وقد فُككت الآلة بعد معرض باريس عام 1889 وضاعت تفاصيل بنائها المباشر، لتبقى في التاريخ بوصفها أول نموذج جسّد فكرة فصل العقل عن الواجهة‏ مسافةً ومكاناً.

وفي عام 1920، دخل هذا المسار مرحلة لغوية مفصلية حين كتب الأديب التشيكي كارل تشابيك مسرحيته الشهيرة روبوتات روسوم العالمية R.U.R، حيث اقترح عليه شقيقه الرسام والكاتب يوزف تشابيك استبدال التسمية اللاتينية المقترحة بلفظ مشتق من بيئتهما اللغوية، فكانت ولادة كلمة الروبوت Robot. لم ينبثق هذا اللفظ من حقل دلالي يتصل بالحكمة، أو العقل، أو المعرفة التجريدية، بل خرج من صميم المعجم الطبقي للعبودية والعمل الإجباري؛ فكلمة robota في اللغة التشيكية تدل صراحة على عمل السُّخرة الشاق، ويُشتق منها robotník للإشارة إلى الفلاح المستعبد المُلزم بالعمل الإجباري في أرض سيده الإقطاعي دون إرادة.

ويمتد هذا التأسيس إلى الجذر السلافي الأقدم orbъ، الذي تفرعت منه في الروسية مفردة раб، أي العبد الخاضع لسلطة غيره. يفضح هذا الجذر الاشتقاقي الحقيقة التي سعت المخيلة المعاصرة إلى مواراتها؛ فالصنيع في المسرحية لم يولد ليكون فيلسوفاً معدنياً، بل صُمم بوصفه عبداً مُستحدثاً، لكي ينتزع منه المجتمع ثمرة الإنتاج ويحذف من المعادلة مطالب الكادح وحقوقه.

يكشف هذا الأصل المعجمي أن مركز الثقل في الحلم البشري لم يكن يوماً هو العقل كما تسوق الرواية السائدة اليوم، بل كان هاجس الطاعة وإمكانية حيازة الفعل مجرداً من ثقله الأخلاقي أمام الحقيقة الدلالية المباشرة؛ إذ يتبين أن إطلاق وصف روبوت بشري اليوم ليس تعبيراً بريئاً يُقصد به مجرد هيكل ميكانيكي يحاكي هيئة الإنسان، بل هو في أصله التاريخي تصريح بوجود عبد بشري مُستحدث.

ومن هنا يمتد خيط معرفي متصل لا تخطئه البصيرة؛ فكلما تقدمت الحضارة في أدواتها، أعادت طرح السؤال الوجودي ذاته بصيغة جديدة‏ كيف نقتنص الجهد الإنساني ونعزل الوظيفة عن صاحبها، مع إسقاط ما يلازم الذات البشرية من كَلَل، واعتراض، وحاجة مشروعة إلى الاعتراف؟

ثم جاء برنامج ELIZA في منتصف ستينيات القرن العشرين، ليدشن منعطفاً جذرياً كشف فيه أن الإنسان لم يعد بحاجة إلى هيكل معدني يتحرك أمامه كي يخلع على المصنوع صفات الوعي، وأن اللغة وحدها باتت قادرة على توليد حضور وهمي عجزت الصناديق والتروس الميكانيكية القديمة عن مضاهاة تأثيره. طوّر هذا البرنامج عالم الحاسوب الأمريكي ذو الأصول الألمانية وأستاذ الذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، جوزيف فايزنباوم ‏، الذي استلهم تسميته من شخصية إليزا دوليتل في مسرحية بجماليون لجورج برنارد شو، رغبةً منه في إثبات سطحية التواصل بين الإنسان والآلة وتجريد الآلة من هالة القداسة الحسابية.

بنى فايزنباوم برنامجه عبر سيناريو شهير أطلق عليه اسم DOCTOR، صُمم لمحاكاة أسلوب المعالج النفسي في مدرسة كارل روجرز القائمة على الإنصات وإعادة توجيه حديث المريض؛ إذ لم تكن الآلية سوى بضع مئات من الأسطر البرمجية التي تلتقط الكلمات المفتاحية في الجملة المدخلة، وتعيد تدويرها وصياغتها في صورة أسئلة مفتوحة دون أي استيعاب لمعانيها، أو استخدام عبارات جاهزة لاستدراج المتحدث عند غياب الكلمات المفتاحية. وعلى الرغم من أن البرنامج كان مفرغاً من أدنى تجربة باطنية للحزن، أو الفقد، أو الخوف، فقد ذُهل فايزنباوم نفسه حين وجد سكرتيرته الخاصة، التي عاينت كتابة الشيفرة البرمجية واطلعت على خواء النظام، تطلب منه مغادرة الغرفة لتنعم بالحديث مع البرنامج في شؤونها الشخصية في حالة من الإسقاط العاطفي الصريح.

هنا تحديداً تقع النقلة المعرفية الأخطر في تاريخ الظاهرة؛ إذ لم يعد وجود مشغل بشري خفي ضرورياً لتمرير الحيلة كما كان الحال في دمى الشطرنج القديمة، بل أصبح المتلقي نفسه هو من يتكفل بملء الفراغ الدلالي من تلقاء ذاته. تصل العبارة في قالب لغوي متماسك، فيفترض الذهن وجود قصدية واعية تقف وراءها؛ وتأتي الاستجابة في موضعها المنطقي، فيخلع عليها المتحدث فهماً باطنياً، ليتولد حضور وهمي كامل لا لكون النظام أثبت إدراكه، بل لأن الإنسان لم يعهد اللغة في تاريخه إلا بوصفها صوتاً صادراً عن كائن يحمل تجربة شعورية ووعياً حياً.

في تلك اللحظة المفصلية، يتجاوز أثر ELIZA تجربة الترك الميكانيكي؛ فالتمثال القديم تطلب لاعباً بشرياً حقيقياً يمارس التفكير في الخفاء، بينما نجح البرنامج البسيط في دفع العقل البشري إلى اختلاق الوعي وإنتاجه دون حاجة إلى وجود عقل حاضر خلف الشاشة. لم يعد السؤال الفلسفي رهيناً بما تنتجه الآلة في ذاتها، بل بما يمارسه الإنسان حين يواجه لغة تشبه لغته؛ فنحن لا نستقبل الكلمات كرموز برمجية محايدة، بل نشحنها برصيدنا التاريخي من التفاعل الوجداني، وحين تبثها الآلة نُسقط ذلك الرصيد برمته عليها، حتى يعجز الوعي لاحقاً عن التمييز بين ما ولّده النظام المادي وما ابتدعته مخيلته هو.

وفي عام 2005، بلغ هذا المسار التاريخي ذروته حين واجهت شركة أمازون عجزاً بنيوياً في صميم النموذج الحاسوبي. كانت الحواسيب قادرة على معالجة أعقد المعادلات الرياضية، لكنها وقفت عاجزة تماماً أمام أبسط العمليات الإدراكية التي ينجزها العقل البشري ببديهية مطلقة.

لقد تفاقمت هذه المعضلة داخل متجر أمازون مع فتح الباب لآلاف التجار المستقلين؛ إذ تراكمت ملايين الإعلانات للسلع نفسها بصور ملتقطة من زوايا متباينة أو بأسماء كُتبت باختلافات طفيفة، فعجزت البرمجيات عن إدراك أنها لمنتج واحد لدمجها، بينما يحسم ذلك أي إنسان بنظرة خاطفة. وتكرر العجز ذاته حين أطلقت الشركة مشروعاً لبناء دليل تجاري للمدن، حيث صُوّرت الشوارع بكاميرات متحركة لربط المتاجر بمواقعها، فوقفت البرمجيات عاجزة عن قراءة لافتات المطاعم وسط زحام المباني أو تمييز واجهة المحل التجاري من محيطه.

أمام هذا العجز التقني الفادح، لم تنتظر أمازون اختراع خوارزمية خارقة، بل استدعت اسم دمية الشطرنج القديمة وأطلقت خدمتها الشهيرة ميكانيكال تورك Mechanical Turk لتكشف الحقيقة بلا مواربة؛ إذ وصفت العملية رسمياً بأنها الذكاء الاصطناعي المصطنع Artificial Artificial Intelligence. يكمن المعنى الصريح لهذا التعبير في مفارقة ساخرة وواضحة: إذا كان الذكاء الاصطناعي يعني جعل الآلة تؤدي وظيفة بشرية، فإن الذكاء الاصطناعي المصطنع يعني اصطناع وجود ذكاء الآلة ذاته بواسطة بشر حقيقيين لأن الآلة عاجزة عن أداء المهمة؛ ولهذا سُميت كل وحدة عمل مهمة ذكاء بشري Human Intelligence Task واختصارها HIT، في اعتراف معلن بأن ما يجري شراؤه ليس ذكاءً برمجياً بل ذكاء بشري يُستدعى برمجياً عند الطلب.

وسرعان ما أدركت أمازون أن هذا العجز ليس شأناً يخص متجرها وحده، بل هو مأزق تشترك فيه صناعة البرمجيات بأسرها؛ فحوّلت الأداة من حلّ داخلي إلى منصة تجارية وسوق عامة باعتها للشركات ومراكز الأبحاث حول العالم. وفرت المنصة للمؤسسات الخارجية واجهة برمجية تتيح لها تجزئة مشاريعها الضخمة، كفرز ملايين الصور أو تفريغ التسجيلات الصوتية، وتوزيعها على مئات الآلاف من البشر المتصلين بالإنترنت عبر القارات لإنجازها بالتوازي مقابل سنتات زهيدة، لتعود النتائج إلى الأنظمة الحاسوبية لتلك الشركات بصورة منسقة وخاطفة، فيبدو المشهد للمستخدم النهائي كأن الآلة وحدها هي التي حققت الإنجاز بعقلها الذاتي.

في الثامن عشر من يناير 2023، نشرت مجلة TIME تحقيقاً استقصائياً كشف الوجه الحقيقي الخفي لعملية تجهيز وتدريب نموذج ChatGPT قبل إطلاقه للجمهور؛ حيث تعاقدت شركة OpenAI في وادي السيليكون مع شركة Sama المتخصصة في التعهيد الخارجي ومقرها سان فرانسيسكو، لتشغيل عمالة أفريقية منخفضة الأجر في العاصمة الكينية نيروبي. كان هؤلاء العمال، ومن بينهم شباب ومعيلون يبحثون عن لقمة العيش مثل ريتشارد ماثينجي وزملائه، يُجبرون على قراءة وتصنيف ما بين 150 إلى 250 نصاً في كل نوبة عمل تمتد تسع ساعات يومياً، تحتوي على أقسى ما أنتجته البشرية من أوصاف مروعة للاعتداء الجنسي على الأطفال، وسفاح القربى، والبهيمية، والتعذيب، والانتحار، وقتل النفس، لفرزها ووضع وسوم تصنيفية تسمح بتدريب مرشحات الأمان للنموذج.

كشفت وثائق التحقيق وكشوف الأجور الرسمية أن هؤلاء العمال الكينيين كانوا يتقاضون أجراً صافياً يتراوح بين 1.32 إلى دولارين فقط في الساعة الواحدة، أي ما يعادل نحو 170 دولاراً شهرياً، في حين كانت شركة Sama تتقاضى من OpenAI نحو 12.50 دولاراً عن كل ساعة عمل للمشروع. وأفاد العمال بأنهم أصيبوا باضطرابات نفسية حادة، وكوابيس مستمرة، ورؤى متكررة للمشاهد الفظيعة التي قرؤوها، ووصف أحدهم العمل بأنه كان تعذيباً نفسياً ممنهجاً، ولم تجدِ معهم جلسات الدعم النفسي الشكلية التي قدمتها الشركة، مما قاد في النهاية إلى إنهاء العقد مبكراً في فبراير 2022 بعد أن بدأت الشركة بمطالبتهم بتصنيف صور إباحية وغير قانونية شديدة الفظاعة.

هنا تسقط العبارة التقنية جُعل النموذج أكثر أماناً، لأنها تمحو من التاريخ الوجه البشري الذي تجرع قسوة المحتوى وتطمس آلام هؤلاء الشباب الكينيين الذين استُنزفت صحتهم النفسية لكي تظهر الواجهة في الطرف الآخر نقية ومهذبة؛ فالأمان المزعوم لم ينبثق كفضيلة خوارزمية من صلب الآلة، بل كان نتاج استغلال مباشر لطبقة من الكادحين المهمشين، جرى إخفاؤهم خلف بريق التقنية، ليُنسب الإنجاز الأخلاقي بكامله إلى الآلة الصامتة، التي تمتّعت بمصطلح ذكاء اصطناعي. هنا يكمن السؤال إن كانت الآلة تنتظر البشر للقيام بالتصنيف والمعرفة والفهم، فأين يكمن مصطلح الذكاء فيها؟

ولم تكن كينيا واقعة استثنائية، ففي الثامن والعشرين من أغسطس 2023 نشرت صحيفة The Washington Post تحقيقاً واسعاً من الفلبين كشف طبيعة الطبقة العاملة المسؤولة عن تغذية هذه النماذج عبر منصة Remotasks التابعة لشركة Scale AI في وادي السيليكون؛ حيث تبين أن هؤلاء العمال ليسوا مهندسي برمجيات أو باحثين أكاديميين، بل جيش من الشباب وطلاب الجامعات والعمال المستقلين والمهمشين اقتصادياً في مدن ومقاطعات جنوب الفلبين مثل كاجايان دي أورو وجزيرة مينداناو. يعمل هؤلاء لساعات طويلة داخل مقاهي إنترنت مظلمة، أو غرف ضيقة فوق متاجر الحواسيب، أو في منازل متهالكة تفتقر إلى أدنى معايير الحماية القانونية وظروف العمل العادل، ليتحولوا إلى ما يشبه عمال السخرة الرقمية.

جلس هؤلاء العمال ليميزوا المشاة من الأشجار، ويحددوا المسارات للمركبات ذاتية القيادة، ويعدلوا النصوص المولدة آلياً، محولين العالم الواقعي المضطرب إلى بيانات مهندسة تتغذى عليها شركات التكنولوجيا الكبرى؛ وقد وثق التحقيق، عبر شهادات ستة وثلاثين عاملاً، كيف يتقاضى هؤلاء أجوراً تقل كثيراً عن الحد الأدنى القانوني للأجور في الفلبين، وتتعرض مستحقاتهم لتأخير روتيني أو اقتطاع تعسفي مع التهديد الدائم بحظر حساباتهم إذا احتجوا.

روت العاملة الشابة شاريز البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاماً كيف أفضى عملها الشاق لأربع ساعات متواصلة إلى ثلاثين سنتاً فقط بدلاً من دولارين، بينما تحدث عامل آخر في السادسة والعشرين عن استنزاف ثلاثة أيام كاملة في مشروع انتهى بحصوله على اثني عشر دولاراً بدلاً من خمسين. ورغم تبرير الشركة بأن هذه الحالات نادرة، فإن التحقيق فضح طبقة من البروليتاريا الرقمية المستترة التي تؤسس المجد المالي لكبرى الشركات التقنية، وتدفن كل هذا الكدح الإنساني تحت العبارة الهندسية البريئة تم تدريب النموذج على بيانات مصنفة.

لم تعد هذه الوقائع، بعد أن اجتمعت في خط واحد، حوادث متفرقة يمكن ردّ كل واحدة منها إلى زمنها ثم إغلاق صفحتها. وليس في قفص هذه المحكمة آلة كي نعلن براءتها أو إدانتها؛ فذلك سيكون الخطأ الأكثر سخرية، أن نستدعي المصنوع كأنه يملك وعياً إنسانياً وفعلها بنفسه، لنجعله ذاتاً أخلاقية تقبل البراءة أو الإدانة.

المتهم هنا أقدم من الآلة وأوسع من مستخدمها الفردي؛ إنه الإنسان في كامل السلسلة التي صنعها. ابتكر الأداة، ووضع لها اسماً أوسع من البرهان، فصل النتيجة عن تاريخ إنتاجها، ووضع أمام نفسه واجهة تتكلم بلغته وتجيبه بصيغة من صيغ حضوره. لم يتشكل هذا الوهم بمجرد استجابة سطحية لنص مكتوب؛ بل احتاج إلى تاريخ كامل من الهندسة واللغة والترويج والترتيب والإخفاء والاختزال، حتى تصل النتيجة في النهاية نظيفة من أسبابها، ولا تبقى أمام العقل إلا كلمة واحدة تختصر كل ما توارى وراءها الذكاء الصناعي.

وعندئذ لا يكون السؤال إن كانت الآلة تملك وعياً، لأن السؤال نفسه ينبع من وهم لغوي وإسقاط قصدي ينسب الصفة إلى غير موضعها. ولا يكون السؤال إن كان الإنسان قد خدع نفسه وحده، لأن ذلك يمحو شروط الصناعة التي أنتجت هذا الوهم. السؤال الأشد قسوة هو كيف استطاع الإنسان أن يبني منظومةً تُوزَّع فيها أعمال آلاف العقول بين تصنيف النصوص واتخاذ القرارات، ثم تُجمع آثارها داخل بنية واحدة، وتُمحى من المشهد السلسلة التي أفضت إليها، ليقف الإنسان أمامها متسائلاً إن كان قد وُلد عقل آخر.

‏‏‏هنا تبلغ المحاكمة غايتها، لأن المتهم لم يعد فرداً ‏، بل حضارة كاملة استطاعت أن تصنع المظهر، واللفظ، والبرهان الذي تستشهد به، ثم تنسى أنها صنعت الثلاثة معاً. هذه ليست سوى بداية لمسار أعمق وراء مصطلح الذكاء لم يُروَ تاريخه بعد، ولم تُكشف كامل طبقاته المستترة.

عبيدة فران

22/08/2026

هذه ليست سوى بداية لمسار أعمق وراء مصطلح الذكاء لم يُروَ تاريخه بعد، ولم تُكشف كامل طبقاته المستترة.

عبيدة فرّان

12/08/2026
ما يتجلّى في اللغة بوصفه وضوحًا....... هو أبلغ مراتب الحجب وأشدّها خفاءً.......إنّ التجربة، في عمقها الإنساني، لا تنكشف ...
01/08/2026

ما يتجلّى في اللغة بوصفه وضوحًا....... هو أبلغ مراتب الحجب وأشدّها خفاءً.......

إنّ التجربة، في عمقها الإنساني، لا تنكشف في هيئةٍ صافيةٍ محددة، ولا تنتظم منذ اللحظة الأولى في بنيةٍ قابلةٍ للفصل والشرح، بل تتكوّن بوصفها نسيجًا كثيفًا تتداخل فيه الذاكرة بالأثر الحسي، والحاضر بما سبقه، والانفعالات بما تستدعيه الذاكرة من بقايا لم تخمد، فتغدو حاملةً لخوفٍ لم يضمحل أثره، ورغبةٍ لم تكتمل، وتوقّعٍ يعمل في الخفاء، وجرحٍ لم يندمل، وانحيازٍ تشكّل عميقًا دون أن تُدرَك سلطته.

وهذه الكثافة المتشابكة، حين تغادر عزلتها، تتولى اللغةُ دورَ الوسيط، لا بوصفها ناقلًا أمينًا لنسخةٍ طبق الأصل، بل بوصفها أداةً تعيد صياغتها في بنيةٍ من العلامات. والعلامة لا تحمل فرادة التجربة، وإنما تقيم صلةً بين دالٍّ ومدلولٍ؛ والمدلول هنا ليس ما وقع في الداخل، بل معنىً عامًّا يتحدد داخل اللغة باختلاف الألفاظ ومواضعها في الاستعمال. ثم يأتي التركيب النحوي فيحوّل هذه العلامات إلى علاقات، فيُعيّن الفعلَ والفاعلَ والزمنَ والسببَ والجهةَ، ويجعل ما كان في النفس امتدادًا متداخلًا صالحًا لأن يظهر في بناءٍ مفهوميٍّ. ثم يتدخّل السياق، فيضيّق الاحتمالات، ويوجّه الدلالة، ويمنح العبارة معناها الأخير داخل مقامٍ مخصوص. وهكذا تعمل اللغة على عزل ما يقبل التعيين من التجربة، وتربطه بدلالةٍ مشتركة، وتضعه في ترتيبٍ نحويٍّ وسياقيٍّ يهبها قابليةَ الإحاطة. ولذلك لا يكون ما يظهر في الحديث هو التجربة كما تكوّنت في عمقها الإنساني، بل أثرًا منظّمًا منها، أوضح من أصلها وأفقر منه في آنٍ واحد؛ لأن الوضوح الذي تمنحه اللغة لا يصدر عن وفائها للتجربة، بل عن خفض كثافتها إلى ما يستطيع النسق أن يميّزه ويرتّبه ويجعله جاهزًا للاستعمال العام.

اللغة أبعد ما تكون عن البراءة التي ينسبها الإنسان إليها، ولا هي تلك الأداة الشفافة التي تعبر من خلالها التجربة ثم تبلغ الآخرين. فهذا التصور من أشدّ الأوهام رسوخًا في البنية البشرية، لأنه لا ينشأ من خطأ عابر في الإدراك، بل من التباس متجذر بين التجربة ولفظها، وبين ما يتكوّن في الداخل بوصفه واقعةً لا تتكرر، وما يُعاد ترتيبه في الخارج بوصفه لفظًا مشاعًا في المجال المشترك. ومنذ تلك اللحظة ينغلق داخل حدودها، لا بوصفها وسيطًا بينه وبين العالم، بل بوصفها عالمًا ثابتًا يلتبس فيه امتلاك المعنى بامتلاك الحقيقة، ويُلغى فيه الحد الفاصل بين التجربة كما تتكوّن في الداخل وبين ما تسمح الألفاظ بإظهاره منها.

والإنسان لا يضلّ هنا لأنه أكثر حديثًا، ولا لأن المفردات شحيحة، بل لأنه لم يواجه السؤال الجوهري ماذا تفعل اللغة حين تنتزع التجربة من تكوينها الداخلي وتدفع بها إلى المجال المشترك؟ لقد سلّم منذ زمنٍ بعيد بأن اللغة جسرٌ بين الذوات، ثم أقام فوق هذا التسليم عالمًا كاملًا من العلاقات والاعتقادات واللوم والخذلان وسوء الظن والتفسيرات، من غير أن يفحص طبيعة هذا الجسر، ولا أن يسأل عمّا يستطيع حمله وعمّا يسقط منه. فهو يمنح تجربته هيئةً لفظية، ثم يحوّل كل استجابة تصدر عن الآخر إلى برهانٍ على أن المعنى قد بلغه كاملًا، ويزداد اقتناعًا بأن ما تكوّن في داخله قد استقر بالهيئة نفسها في داخل ذاتٍ أخرى. غير أن ما تحقق قد لا يتجاوز توافقًا محدودًا في الألفاظ، بينما تبقى التجربتان منفصلتين خلف ذلك التوافق. فاللغة لا تحمل من باطنٍ إلى باطنٍ آخر، بل تستدعي في المتلقي بنية استجابة مستمدة من تكوينه هو. والكلمة لا تعيد في داخل المستمع الطريق الذي سلكته التجربة داخل قائلها، بل تستحضر من ذاكرته وألمه وماضيه ومنطقه الخاص المادة التي يعيد بها تركيب ما سمعه. وهكذا لا يكون ما يجمع البشر في أغلب حواراتهم وحدةَ التجربة، بل تماسكَ المشهد الخارجي للحوار؛ فكل طرف يعيد تكوين ما يسمعه داخل بنيته الخاصة، ثم يُظن هذا الاختلاف المستتر توافقًا.

وهنا يكمن الخلل الحقيقي. ليس في أن الإنسان يعجز أحيانًا عن التعبير، بل في أنه يسيء فهم طبيعة التعبير ذاتها. يظن أن الدقة اللفظية نوعٌ من النقل، مع أن الشرح، في جوهره الأقصى، ليس إلا تقريبًا لما لا ينتقل كاملًا. ويظن أن البناء اللفظي المحكم يستطيع أن ينشئ في المستمع التجربةَ في داخله، بينما هو في الحقيقة لا يمنحها إلا صورةً قابلةً للفهم العمومي. إنها لا تهب للآخر التاريخ الذي أنشأها في النفس أول مرة، ولا اللحظة التي التصقت فيها بالوجدان، ولا ذلك الامتزاج المعقد بين الجسد والذاكرة والزمن. ولهذا يكثر الإنسان من الشرح كلما ازداد بُعد المعنى المراد نقله عن قدرة اللغة على احتوائه، ويظن أن الفشل سببه نقصٌ في الكثافة، بينما المشكلة في أصلها ليست كمية، بل بنيوية.

والإنسان، من شدة اعتياده على المفردات، ينسى أن اللفظ الواحد لا يكون واحدًا إلا في المجال العمومي، أما في الداخل فلا شيء يضمن وحدة ما يستدعيه. على سبيل المثال، كلمة المنزل، تبدو كأنها تشير إلى شيء معلوم تتقاسمه الذوات بسهولة، مع أن ما يتحرك في كل نفس عند سماعها قد ينتمي إلى عالم مختلف تمامًا. عند أحدهم قد يستدعي المنزل دفئًا قديمًا، ولم يكشف العالم قسوته كاملةً. وعند آخر، قد يستدعي رقابة وضيقًا وصمتًا مضغوطًا داخل الجدران. وعند ثالث، قد لا يستدعي شيئًا مستقرًا، بل محطات عابرة لم تمنح الجسد وقتًا كافيًا ليشعر أن له موضعًا في الأرض. ومع ذلك ينطق الجميع اللفظ نفسه، ويتصرفون كما لو أن وحدته في المجال المشترك تكفي لإثبات وحدته في الأعماق.

وهنا يتجلى أكثر أشكال الوهم أناقة؛ فالاشتراك في اللفظ لا يعني الاشتراك في الإحساس، والاتفاق على التسمية لا يساوي الاتفاق على ما تراكم خلفها من تاريخ داخلي، ويمتد ذلك إلى كل كلمة يحمّلها الإنسان أكثر مما تستطيع حمله. فحين ينطق حبًا أو فقدًا أو أمانًا أو خيانةً أو نجاةً، لا يرسل إلى الآخرين جوهرًا متطابقًا، بل يطلق إشارة عامة تستقر فوق طبقات غير مرئية من التجارب الخاصة، فيتحرك اللفظ في الخارج بوصفه واحدًا، بينما يوقظ في الداخل تكوينات مختلفة، وربما متضادة، عند كل من يسمعه. ومن هنا لا يكون سوء الفهم خللًا عابرًا في التفسير، ولا نتيجةً لنقص في اختيار الألفاظ وحده، بل أثرًا طبيعيًا لطبيعة اللغة حين تُحمّل بما لا تملك. وهذا لا يجعلها عديمة الجدوى، بل يكشف أن وظيفتها ليست توحيد الأعماق ولا نقل التجربة كاملةً من ذات إلى أخرى، وإنما تنظيم المجال المشترك بما يتيح للبشر أن يتقاربوا من غير أن يخرج كل منهم من تكوينه الخاص. فاللغة هندسة للمجال العمومي، لا اختراق نهائي للفردي الحي.

ومن هنا يمكن إدراك كيف يبدو العالم الإنساني قائمًا على تفاهم ظاهري؛ فما يحفظ تماسكه ليس وحدة المعنى، بل القدرة الجماعية على مواصلة التواصل رغم غياب تلك الوحدة. فالبشر لا يبلغ بعضهم بعضًا بالعمق الذي يتوهمونه، وإنما ينجحون في إدارة المسافة بينهم، ويستندون إلى القوالب العامة، والأسماء المشتركة، والبنى المألوفة، وأنماط الاستجابة التي تتيح للمحادثة أن تستمر، ثم يخلطون بين استمرارها وبين تحقق الانتقال من ذات إلى أخرى. وفي هذا تكمن إحدى أكثر الحيل قسوة في البنية الذهنية للإنسان؛ فهو لا يحتاج إلى تطابق فعلي كي يطمئن، بل يكفيه أن يبقى الشكل الخارجي للتواصل متماسكًا. فاستمرار الاستجابة وغياب الانقطاع الظاهر يمنحان العقل ما يكفي لتثبيت وهم الفهم، مع أن ما تحقق لم يكن نفاذًا إلى المعنى، بل اختصارًا له إلى الحد الذي يسمح للتبادل بأن يستمر. إنه اقتصاد في المعنى، لا امتلاك له. ولهذا تعيش البشرية داخل نظام واسع من التقريبات المنضبطة، ثم تمنح هذا النظام اسم التفاهم، مع أنه، في كثير من حالاته، ليس إلا اتفاقًا ضمنيًا على ألّا يُمتحن العمق حتى نهايته.

ولا يحتاج هذا الاختلاف المستتر إلى تجربة شديدة التعقيد كي يتضح. يكفي أن نقترب من لفظ مألوف إلى الحد الذي يبدو معه كأنه لا يحمل إلا معنى واحدًا، وأن نراقب ما يستحضره في النفس قبل أن يتدخل العقل في ضبط الحضور الأول وترتيبه. هنا يتبيّن أن اللفظ لا يضع الشيء نفسه في الأذهان، بل يوقظ في كل ذهن مادة تكوّنت داخله من قبل.

مثال، على رغم بساطته الظاهرة، لا يخفف هذا التعقيد؛ فكّر في شجرة.......

ما الصورة الأولى التي قفزت إلى مخيلتك؟ ما شكلها؟ ما لونها؟ وما الذي يحيط بها؟ لماذا هذه الشجرة بعينها؟

ثم اسأل شخصًا آخر أن يفكر في شجرة، وأن يصف لك الصورة الأولى التي ظهرت في مخيلته. ثم قارن بين الشجرتين. لقد نطقتما الكلمة نفسها، لكن هل ظهرت في داخله الشجرة التي ظهرت في داخلك، أم أن اللفظ الواحد استدعى في كل منكما عالمًا مختلفًا؟ هنا ينكشف الفارق بين وحدة لفظ وتعدد ما يستدعيه. وهذا هو قانون اللغة في أكثر أشكاله خفاءً. إنها تجعل الموجودات قابلة للتداول لأنها تردّ فرادتها إلى دلالة عامة تستطيع الذوات أن تلتقي عندها، غير أن هذا النجاح لا يتحقق من دون خسارة؛ فكلما اتسعت قابلية المعنى للمشاركة، انحسر منه ما لا يظهر إلا داخل التجربة الفردية.

وما تكشفه الشجرة في مستوى الصورة الذهنية البسيطة، تكشفه الخبرة الجمالية في مستوى أشد تعقيدًا. فحتى المشاهد التي يتعامل معها البشر بوصفها ذروة التشارك الحسي لا تخرج من هذا القانون. غروب الشمس على البحر يبدو كأنه صورة نهائية، وكأنه مشهد يفرض على الجميع المعنى نفسه. لكن ما الذي يفرضه حقًا؟ إنه يفرض مادة مشتركة للوصف، لا أثرًا وجدانيًا واحدًا. البحر واحد في اللغة، والغروب واحد في الصياغة، والأفق واحد في التسمية، لكن الداخل لا يعرف هذه الوحدة. شخص يرى في الغروب سكينة، وآخر يراه انطفاءً، وثالث يراه لحظة مؤقتة من النجاة من يوم ثقيل. وما يُتشارك هنا ليس الأثر الذي يتركه المشهد في النفس، بل الإطار الذي يسمح للانفعالات المختلفة أن تنتظم تحت تسمية واحدة من غير أن ينكشف اختلافها الكامل. ولهذا تكون اللغة أداة تنظيم لا أداة كشف. إنها تجعل البشر يظنون أنهم يقفون أمام المشهد نفسه من الداخل، بينما هم لا يشتركون إلا في هندسة خارجية تجعل المشهد قابلًا للصياغة ومتاحًا للمبادلة.

والأمثلة التي تبدو بسيطة هي أقدر من النظريات على كشف هذا الخفاء. حين يجلس عدة أشخاص يشربون القهوة ويصفونها جميعًا بأنها رائعة، يبدو الأمر كما لو أن التجربة مشتركة، كما لو أن الكلمة قد جمعت الجميع في مساحة ذوقية متطابقة. لكن الحقيقة أكثر برودة من ذلك بكثير؛ فالقهوة عند أحدهم قد تكون مجرد بوابة إلى صباح غابر تجرّد العالم فيه من ثقله، والطمأنينة الأولى ما تزال ممكنة. وعند آخر، قد تكون طقسًا اجتماعيًا قديمًا منحه إحساسًا بأنه جزء من شيء أوسع من انفراده. وعند ثالث، قد تكون آلية دفاعية ضد الانهيار، وسيلة تقنية لتنظيم أعصابه أمام يوم يثقله من الداخل. الجميع ينطق الجملة نفسها، لكن لا أحد يتذوق القهوة منفصلةً عن تاريخه. كل واحد يستعيد معها أرشيفه، وأول ظرف التصق فيه هذا المذاق بشيء أكبر من ماديته، والذاكرة المستترة وراء الرشفة. ومع ذلك، يظن الناس أن اتفاقهم على الكلمة دليل على اتفاقهم على التجربة. هكذا تخدع اللغة الإنسان؛ لا لأنها تكذب عليه، بل لأنها تمنحه توافقًا خارجيًا ينجح في المجال الاجتماعي، بينما يترك باطن الاختلاف قائمًا في مكانه من غير مساس.

غير أن الإنسان لا يقبل هذا الحد. لا يكتفي بأن تكون تجربته حقيقية لديه؛ يريدها أن تصبح حقيقة في الآخر بالطريقة نفسها. يريد من الشخص الذي يصغي إليه أن يتلقى التجربة ذاتها، لا أن يصدق وجودها فقط. وما يسميه تواصلًا ليس دائمًا رغبة في أن يصل المعنى، بل رغبة في أن تتكرر تجربته داخل جسد آخر. لهذا يكرر الإنسان حديثه حين لا يجد الأثر الذي ينتظره. يبدأ بالوصف، ثم يضيف التفصيل، ثم يشدد العبارة، ثم يرفع صوته، ثم يتهم الآخر بالبرود أو اللامبالاة. نادرًا ما يشك في الطلب نفسه. لا يسأل هل ما أريده ممكن؟ بل يسأل لماذا فشل الآخر في منحي إياه؟ هكذا يحوّل استحالة النقل إلى خطأ أخلاقي عند من يصغي.

وحين ينطق شخص «أنت لا تدرك ما أشعر به»، قد يبدو في الظاهر كأنه يصف نقصًا في انتباه الطرف الآخر، لكنه في العمق يكشف رغبة أشد خفاءً. إنه لا يريد إدراكًا، بل تطابقًا؛ لا يريد شاهدًا، بل نسخة. يريد أن ينقل ما لا يقبل النقل، ثم يغضب حين يبقى ما فيه متصلًا به وحده. والإنسان لا يكتفي بهذا. يريد من اللغة أن تفعل أكثر مما تستطيع، ثم يبني أوهامه على عجزها. ينطق «أنا متعب»، ويضع في هذه الكلمة سنوات من الإنهاك، وليلًا طويلًا، وخيبات لم يتحدث عنها، ثم ينتظر من الآخر أن يتلقاها كلها. ينطق «أنا خائف»، ويضع في اللفظ طفولته وذاكرته واحتمالاته القادمة، ثم يغضب لأن من يسمعه تلقّى كلمة لا تاريخًا كاملًا.

لا يحكم هذا على أن التواصل استحالة؛ فالاستحالة تقع في التطابق لا في الاقتراب. والخلط بينهما هو ما يفسد كثيرًا من العلاقات. فالتواصل يعترف بالمسافة ويحاول تقليل قسوتها، أما التطابق فيطلب محوها وجعل الطرف الآخر نسخة طبق الأصل. ربما لم يكن الإنسان يبحث عن المشاركة، بل عن التخلص من الوحدة من دون أن يدفع ثمن الاعتراف بها. يريد أن يحتفظ بتجربته كاملة، وأن تكون مشتركة في الوقت نفسه. يريد أن يبقى هو، وأن يتحول الآخر إليه. يريد مسافة تكفي لوجود شخصين، وقربًا يلغي وجود الفرق بينهما. هذه الرغبة ليست بريئة. إنها تكشف أن الإنسان لا يحتمل دائمًا استقلال الآخر، ولا يحتمل أن يبقى ما في داخله بلا مالك سواه. لذلك لا يطلب الاعتراف فقط، بل يطلب التكرار. لا يريد أن يسمعه الآخر، بل أن يصبح صدى مطابقًا له.

قد يبدو الأدب اعتراضًا على هذا كله. فالإنسان يقرأ عن موت لم يقع في حياته، فيبكي. ويقرأ عن خوف لم يختبره، فيشعر بانقباض حاد. يدخل رواية ثم يخرج منها متغيرًا. عند هذه اللحظة يبلغ الاعتراض صورته الأشد: إن كانت التجربة لا تنتقل، فما الذي وقع هنا؟ ما الذي عبر من النص إلى القارئ؟

ما يحدث ليس انتقالًا مطابقًا. فالكاتب لا يضع حزنه داخل القارئ، ولا يسلّمه التجربة كما تكوّنت عنده، بل يوقظ داخله مادة كانت قائمة قبل النص. والأثر الذي ينشأ منها لا يأتي من الكاتب وحده، بل يتكوّن من ذاكرة القارئ، ومخاوفه، وخساراته، وتاريخه، وطريقته الخاصة في تلقّي العالم. قد يبكي شخصان أمام الصفحة نفسها، لكنهما لا يبكيان الوجع نفسه. الأدب لا يلغي العزلة، بل يمنحها لغة مشتركة، ثم يترك لكل إنسان عزلته الخاصة داخل تلك اللغة. لهذا لا يكون الكاتب ناقلًا للتجربة كما حدثت، بل محرّضًا على تكوّن تجربة داخل القارئ. قد تقترب هذه التجربة من تجربة الكاتب، وقد تبتعد عنها أكثر مما يتصوّر، لكنها لا تتطابق معها. فالنص لا ينتقل من ذات إلى ذات؛ إنه يدخل القارئ بوصفه أثرًا، ثم ينكسر في داخله، ويُعاد بناؤه من مادة لم تكن في ذات الكاتب.

غير أن المثال الأشد قسوة هو ذلك الذي يبدو، من فرط بساطته، غير جدير بالتأمل. أنت تدرك طعم الملح. تدركه بلا جهد، بلا تنظير، بلا حاجة إلى استرجاع طويل. يكفي أن تمرّ الكلمة حتى يتحرك الأثر. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بهذا الإدراك، بل بطبيعته: ما الذي تملكه حين توقن أنك تدرك طعم الملح؟ هل تملك الطعم نفسه بوصفه شيئًا قابلًا للتسليم، أم تملك فقط أثره الذي استقر داخلك؟

تخيّل إنسانًا لم يذق الملح يومًا، لا في الطعام، ولا في العرق، ولا في دمعة، ولا في ماء بحر. ثم حاول أن تشرح له مذاقه. تطيل الوصف، وتقارن، وتستعير، وتفرّق: لا حلوًا ولا مرًا ولا حامضًا، وتحاول بكل ما تستطيع أن تضيء محيطه. لكنك لن تضع الطعم في فمه. لن تمنحه التجربة. لن تجعله يدرك الملح كما تدركه أنت. أقصى ما تفعله أنك تبني له معرفة عن الطعم، لا معرفة بالطعم. تدخله إلى أطراف التجربة، لا إلى مركزها. وهنا تظهر حدود اللغة بأشد صورها إحراجًا. فهي قادرة على الإحاطة، لا على الإحلال. قادرة على الإشارة، لا على المعايشة. قادرة على تقريب البنية الخارجية للشيء، لا على خلق المرور الذي يمنحه حقيقته الداخلية.

ومن هنا لا تكون المأساة في أن بعض التجارب عسيرة على الوصف، بل في أن الإنسان يطالب الآخرين بأن يحملوا ما لم يمروا به، ثم يفسّر عجزهم تفسيرًا أخلاقيًا؛ فينسبه إلى جفاف الشعور، أو فقر الحس، أو ضعف الوفاء، أو قلّة التعاطف. فاللغة لا تصنع البنية التي تجعل الشيء محسوسًا، ولا تمنح من لم يمر بهذه التجربة إلا صورة عنها، واسمًا لها، وتقريبًا منها، وبنية صالحة للتداول لا أثرًا صالحًا للحياة.

العالم لا يقوم على تفاهم صافٍ بين الذوات، بل على نظام واسع من التقريبات والرموز وسوء الفهم المهذب. نحن لا نتبادل أرواحنا عبر اللغة، بل نرسل إشارات، ثم يتلقاها كل واحد بتاريخ آخر، وذاكرة أخرى، وجرح مختلف. وما نسمّيه فهمًا ما هو إلا استقرارٌ نسبيٌّ بين عالمين لا يتطابقان. لذلك لا تكمن المشكلة في أن البشر يسيئون الفهم فحسب، بل في أنهم يتصرفون كما لو أن الفهم التام ممكن. ذلك هو الوهم الأشد تجذرًا؛ أن الإنسان لا يحتمل حدود اللغة، فيقيم مقاومة داخلية ضدها، ثم يعيش ويحب ويغضب ويلوم داخل هذه المقاومة.

أنت تدرك طعم الملح، لكنك لا تستطيع أن تهبه لمن لم يذقه. لا لأن التشبيه أخفق، ولا لأن اللغة فقيرة، ولا لأن العالم شحيح في مفرداته، بل لأن بعض الحقائق لا تستقر في الإنسان لمجرد أن تُسمّى، بل حين تصيبه مباشرة وتترك أثرها في جسده ووعيه وزمنه. وما لم يعبر الجسد والوعي والزمن الشخصي لا يتحول إلى امتلاك داخلي مهما أُحكم وصفه، ومهما تكاثرت حوله الألفاظ. عند هذه العتبة لا تعود الملوحة مثالًا على قصور الوصف، بل تصبح حدًّا فاصلًا بين ما تستطيع اللغة أن تشير إليه وما تعجز عن إنشائه. فاللفظ لا يخلق الأثر الذي يحيل إليه، والتعريف لا يودع في النفس التكوين الذي يصفه.

ومن هذا الحد تنكشف معضلة الذكاء في أصلها. لم يبدأ الخلل مع ظهور الاختبار، بل حين جرى التلاعب بأصل الدلالة، وجُمعت مفردات نوعية متباينة داخل لفظٍ واحدٍ، ثم تم التعامل مع هذا اللفظ كما لو أنه يشير إلى كيان قائم بذاته. قبل هذا الضغط، كان الحقل الدلالي موزعًا بين الفطنة، والنباهة، والنفاذ، والحكم، والتمييز، وسرعة الالتقاط، والحضور الذهني؛ وكل لفظ من هذه الألفاظ كان يفتح جهة مختلفة من الإنسان. هذا الضغط أعاد تشكيله حتى يتناسب مع القياس والترتيب. لم يلتقط الاختبار الإنسان، ولا أثر الخبرة في فطنته، ولا الكيفية التي ينفذ بها إلى ما وراء الظاهر. تم التلاعب بحقيقة اللفظ، وتم فصله عن شروطه. هنا لا يتقدم المعنى نحو دقة أعلى، بل ينزاح من وصف الكيف إلى خدمة القرار؛ من السؤال عن طبيعة الإدراك إلى إنتاج قيمة قابلة للمقارنة والاختيار والاستبعاد.

وحين ترسخ هذا الانزياح، لا تنتقل الدلالة إلى الآلة محمّلةً بما كان في أصلها، بل تصل إليها بعد أن فُرغت من شروطها، وتم تطويعها لجعلها صفة إنسانية نوعية موحدة. فالهاتف الذكي، والمدينة الذكية، والمنزل الذكي، لا تثبت صحة التسمية، بل تكشف درجة التلف. فالآلة لا تملك حدّة فؤاد، ولا فطنة، ولا حكمًا، ولا خبرة، ولا زمنًا داخليًا تتكوّن فيه الدلالة. ما تملكه انتظام في الاستجابة، وسرعة في المعالجة، وقدرة على الربط والتنفيذ. ومع ذلك يكفي هذا التشغيل المنظم كي تُمنح لفظًا يبدو أنه يطابق نفاذًا نوعيًا في الإنسان.

هذا يكشف أن اللفظ هبط إلى مستوى التشغيل. فالمدينة لا تدرك لأنها تجمع البيانات، والمنزل لا يكون فطنًا لأنه يربط الصوت بالأمر، والهاتف لا يملك حكمًا لأنه يتوقع الحركة التالية. الذي حدث أن التسمية لم تعد تحتاج إلى تجربة أو وعي أو تاريخ داخلي كي تُستعمل. وما بدا اتساعًا في الدلالة لم يكن اتساعًا، بل نهاية لمسار طويل من التفريغ.

هنا تعود الملوحة بوصفها حكمًا على المسار كله. إن عجز لفظ الملح عن إيصال التجربة الداخلية، يكشف أن وصف الجهاز بالذكاء لا يضع إدراكًا في بنيته، ولا يمنح الشبكة حكمًا، ولا يهب النظام خبرة داخلية. التسمية لا تنشئ ما لا تملكه البنية، والرقم لا يمنح الماهية، والكفاءة لا تتحول إلى فطنة لمجرد أن اللغة حمّلتها لفظًا يوهم بأنه حقيقة الشيء ذاته.

غير أن تفريغ اللفظ من شروطه لم يخفِ طبيعة الآلة فحسب، بل طمس قبل ذلك حقيقة الإنسان ذاته. فالإنسان قد يكون سريع الالتقاط، لكنه ضعيف الحكم؛ إذ لا تضمن سرعة اكتشاف العلاقة سلامة تقدير النتائج أو تمييز الصواب من الخطأ. وقد يكون بطيئًا في الاستجابة، لكنه أعمق نظرًا؛ فالبطء قد ينشأ من فحص المقدمات ورفض القفز المجاني إلى النتيجة، لا من قصورٍ في العقل. وقد يمتلك ذاكرةً واسعةً تفتقر إلى الفراسة؛ فالقدرة على حفظ المعلومات لا تضمن البصيرة لإدراك العلاقات الخفية، أو فهم دوافع الآخرين، أو كشف التضليل. وقد يغدو حاد الفطنة، لكنه عاجزٌ عن ضبط نفسه؛ لأن إدراك ما ينبغي فعله لا يوفر بالضرورة القدرة على مقاومة الغضب أو الاندفاع أو الرغبة.

هذا التنافر الداخلي ليس نقصًا، بل هو حقيقة التكوين. فالإنسان لا يصدر عن مركزٍ متجانس، وقدراته لا تخضع لمسارٍ حتميٍّ واحد. ومن هنا، يغدو حشر هذا الشتات المعقد تحت اسمٍ مفرد أقسى أشكال العنف المعرفي؛ فاللفظ الجامع لا يضيء العقل، بل يصادره. إنه يسحق التباين، ويلغي استقلالية الملكات، ويطمس كثافة الداخل الإنساني، ليخلق كيانًا وهميًّا مسطحًا لا وجود له إلا على ورق الاختبار.

وفي نهاية المطاف، وبعد أن استقر هذا اللفظ المشوّه في الحياة اليومية، أخذ الإنسان يبحث ويتساءل عمّا إذا كانت الآلة قد ارتقت إلى عقله بكل ما يحويه؛ غافلًا عن الكيفية التي طُوِّعت بها الكلمة لتغدو حقيقةً، حتى أمكن إطلاقها على كل نظام يستجيب بكفاءة. عندئذٍ لا يظهر اللفظ متسعًا، بل ينكشف متآكلًا، بعد أن جرى تفريغه من الحدّة والنفاذ والحكم والتجربة. وما حملته الآلة لم يكن الذكاء؛ فاللفظ الجامع من أساسه مجرد هيكلٍ لغويٍّ مُصطنع، جُمع قسرًا ثم أُفرغ من إنسانيته. ولم يكن هذا التآكل الدلالي قَدَرًا أعمى، بل مسارًا موجهًا تضافرت فيه أوهام القياس مع رغبةٍ دفينةٍ في فرز البشر إلى أصنافٍ تتفاوت في القيمة. وقد خلّف هذا المسار وراءه أرشيفًا من التحولات التي تستوجب التفكيك؛ لندرك كيف تبلور هذا التشوه الدلالي ليستقر كحقيقةٍ تامة.

عبيدة فران

Adresse

Nebra
06642

Benachrichtigungen

Lassen Sie sich von uns eine E-Mail senden und seien Sie der erste der Neuigkeiten und Aktionen von Obaeda Farran erfährt. Ihre E-Mail-Adresse wird nicht für andere Zwecke verwendet und Sie können sich jederzeit abmelden.

Verknüpfungen

Teilen