29/05/2025
المجتمع المدني في بلدية تارمونت... بين الغياب والتواطؤ
بلدية تارمونت من البلديات الجزائرية الغنية بالطاقات البشرية والطموحات الاجتماعية، لكن رغم ذلك، يعيش مواطنوها اليوم في حالة من الإحباط واليأس نتيجة فجوة متزايدة بين حاجاتهم اليومية وأداء من يفترض أنهم صوتهم وذراعهم المدني: المجتمع المدني.
المجتمع المدني الاسم الحاضر والدور الغائب من حيث الشكل، تبدو تارمونت زاخرة بالجمعيات والمنظمات المدنية، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى وجود عشرات الجمعيات المسجلة، بمختلف التخصصات:جمعيات أحياء+ بيئية، +ثقافية، +خيرية، +رياضية وحتى حقوقية. غير أن هذه الوفرة العددية لا تعكس في الواقع أي وزن فعلي أو تأثير ملموس على حياة المواطن البسيط.
ففي الأحياء والقرى المعزولة، وحتى في قلب مدينة تارمونت يعاني المواطن من مشاكل جوهرية في مجالات الصحة، النقل، التشغيل، وتدهور البنية التحتية، بينما يقف "المجتمع المدني" متفرجًا، أو منشغلاً بتنظيم ملتقيات شكلية أو توزيع بعض الإعانات المحدودة فقط خلال المناسبات، دون خطة أو متابعة أو نية حقيقية للتغيير،
فلا يمكن الحديث عن فشل المجتمع المدني دون التطرق إلى طبيعة عمل الجمعيات في تارمونت فعدد كبير منها بات يمارس نشاطه بطريقة ملتوية، بعيدًا عن أهدافه الأساسية. فهناك جمعيات لا تُرى إلا في فترة توزيع الميزانيات أو عندما تحين فرصة للحصول على دعم من السلطات أو شركاء أجانب. ويُوظَّف اسم "العمل الخيري" أحيانًا كغطاء لتحصيل مصالح خاصة، ويُستغل شعار "الدفاع عن المواطن" كوسيلة لبناء علاقات مع المسؤولين، لا كوسيلة ضغط عليهم،هذا الانحراف عن المسار لم يكن ليمر دون أن يشعر به المواطن، فالشارع اليوم لا يثق في هذه الجمعيات، بل أصبح يرى فيها شركاء في الصمت والتخاذل، لا ممثلين عنه،فغابت أصوات المجتمع المدني في تارمونت عن قضايا جوهرية تمس كرامة المواطن: انقطاعات الماء والكهرباء المتكررة، أزمة السكن، التهميش الإداري، وحتى صرخات الشباب المطالب بالفرص، لم نرَ مواقف قوية، ولم نسمع بيانات صريحة، ولم تُنظَّم وقفات احتجاجية حقيقية للمطالبة بحقوق السكان، بل إن البعض من ممثلي المجتمع المدني، بدل أن يكونوا صوتًا للمهمشين، تحولوا إلى أدوات ترويج لإنجازات المسؤولين، وواجهة تُجمّل الواقع بدل أن تُواجهه، ورغم هذا المشهد القاتم، تبقى بعض المبادرات الفردية والنزيهة بمثابة شموع تضيء في الظلام، هناك شباب نزيه يحاول أن يعيد للعمل الجمعوي معناه، لكنهم يجدون أنفسهم محاصرين بشبكة من العلاقات والمصالح التي لا ترحب بمن يفضح الفساد أو يزعج الصمت الممنهج.
في الأخير مستقبل بلدية تارمونت لا يمكن أن يُبنى بدون مجتمع مدني قوي، مستقل، ونزيه، ومحاسبة الجمعيات المتخاذلة، وفضح طرقها الملتوية، هو أول خطوة لاسترجاع ثقة المواطن في العمل المدني،فالمجتمع المدني ليس شعارًا يُرفع، بل موقف يُتخذ، ونضال يُمارَس. وعلى من اختار أن يمثل المواطن، أن يكون جديرًا بهذه المسؤولية... أو أن يترك المجال لمن يستطيع.
إبراهيم بوقرة عبد الصمد علواني