25/08/2026
في تاريخ السينما المصرية، فيه فنانين مش بس كانوا بيمثلوا الشخصية، لا، كانوا بيعيشوها بكل تفاصيلها لدرجة تخليك تنسى إنك قدام نفس الممثل.
ومن الفنانين اللي امتلكوا الموهبة دي كان الفنان العظيم عدلي كاسب.
في المشهد ده من فيلم "السفيرة عزيزة"، بنشوف عباس الجزار وهو لسة خارج من السجن، وسط احتفال أهل حتته في أجواء شعبية خالصة يكتمل جمالها بموال عمنا محمد طه، كل تفصيلة في المشهد بتأكد إنك قدام جزار بجد، معلم بحق وحقيقي، وده واحد من الأمثلة الكتيرة اللي بتبين مدى عبقرية عدلي كاسب وقدرته على صناعة الشخصية.
عدلي كاسب كان ممثل من طراز نادر، صاحب قدرة مذهلة على التلون والتقمص، يقدر يتنقل من شخصية لشخصية تانية بعيدة عنها كل البعد بمنتهى السهولة والبراعة، كان صاحب حضور قوي، وتعبيرات وجه وصوت وحركة تخليه قادر يخلق عالم كامل للشخصية اللي بيقدمها.
مين يصدق إن الجزار العنيف الجشع ده في "السفيرة عزيزة" هو نفسه الأب الحنون خفيف الظل المُحب لأولاده في فيلم "نحن لا نزرع الشوك"؟!
ومين يصدق إن الشخص القاسي والمرعب، زوج الأم الغليظ في "المراهقات"، يتحول بكل براعة إلى مصطفى علوان، أبو العريس البسيط البشوش صاحب الروح المرحة في "أم العروسة"؟!
وهو كمان الجار الظريف في "عائلة زيزي"، وهو زوج كريمة أخت سميحة في "صغيرة على الحب"، وهو رئيس التحرير غريب الأطوار في "سر طاقية الإخفاء"، وهو نفسه أبو جهل في فيلم "هجرة الرسول" بشخصيته القاسية المهيبة، وكأننا قدام مجموعة فنانين مش فنان واحد!
فإزاي فنان واحد قادر على حمل كل التناقضات دي؟! إزاي قدر يبقى شرير وقاسي، وفي نفس الوقت أب حنون وخفيف الظل، ومن ناحية تانية شخصية تاريخية مركبة، وشخص عادي بسيط في أعمال تانية؟!
الإجابة إن عدلي كاسب كان صاحب موهبة نادرة خلّته يسيب بصمة مختلفة في كل عمل يشارك فيه، حتى لو كان ظهوره على الشاشة لدقايق قليلة؛ لكنه كان قادر يخطف الأنظار ويثبت بموهبته أنه فنان حقيقي بكل معنى الكلمة، فنان مكنش بيعتمد على شكله أو صوته بس، لكنه كان بيدخل في أدق تفاصيل الشخصية ويفهم أعماقها ودوافعها ويقدمها بإحساس صادق واستثنائي.
عدلي كاسب واحد من الفنانين اللي قدروا يثبتوا إن عظمة الممثل مش بعدد البطولات، لكن بقدرته إنه يخلي كل شخصية يقدمها تبان وكأنها شخصية لإنسان حقيقي له حياة كاملة، وعشان كده يظل اسمه واحد من أسماء الموهبة الخالصة في تاريخ السينما المصرية.