05/06/2026
إن المتأمل في تاريخ هذه السلالة الكهنوتية، يدرك يقيناً أنهم لم يكونوا يوماً منا ولم نكن منهم. لقد جاؤوا كعنصر "متورد" ونبتة مسمومة اجتثت من خارج الخارطة اليمنية، لتُزرع في جسد هذا الوطن الطاهر. ولأنهم بلا جذور في هذه الأرض، ولم يألفوا جبالها ووديانها وشعابها، فقد تعاملوا مع اليمن واليمنيين بحقد دفين وعداء مستعر، خالٍ من أي ذرة حب أو انتماء أو تقدير او رد الجميل .
لقد نظروا إلى اليمن كـ "غنيمة"، وإلى أبنائه الأحرار كعبيد ومسخرين. وهذا الانفصال الروحي والتاريخي عن تراب اليمن هو ما يفسر تلك السادية المفرطة في جرائمهم، والتي فاقت في بشاعتها ووحشيتها أعتى الغزاة، وتجاوز عدد ضحاياهم ما ارتكبته أشد قوى الاحتلال في فلسطين وغيرها عبر التاريخ الإنساني.
وهذه نماذج لجرائم تكشف وجه المحتل الكامن فيهم:
١. حرب الإبادة الهوياتية وطمس الجذور
لم يكتفِ هؤلاء المتوردون بنهب الثروات، بل وجهوا سهامهم المسمومة نحو الهوية اليمانية ذاتها. كانت جرائمهم بحق طوائف وقبائل اليمن الأبية شواهد دامغة على ذلك؛ بدءاً من الإبادة الجماعية لطائفة "المطرفية" ومحوها من الوجود تماماً في أواخر القرن السادس الهجري (1198 - 1214م) على يد ابن الباغية السلالي عبد الله بن حمزة مجرم المتوردين الأول، وصولاً إلى حرب الإبادة ضد قبائل "الزرانيق" في تهامة وسوقهم في "مسيرة الموت" مكبلين بالأغلال إلى سجن حجة بين عامي (1928 - 1929م) بأمر من السلالي المجرم يحيى حميد الدين. لقد كانت هذه المحارق محاولة بائسة لقطع الأوصال واقتلاع الجذور اليمنية الأصيلة التي لا تُقتلع. لقد دمروا المآثر، وصادروا التاريخ، وأحرقوا المكتبات، في حقد أعمى لا يمارسه إلا غازٍ دخيل يرتعب من تاريخ الأمة التي يتآمر على سلب أرضها ومقدراتها.
٢. استباحة الدماء والأعراض كشريعة للغاب
لأنهم لا يرون في اليمني أخاً ولا شريكاً، بل خصماً يجب إخضاعه، فقد شرعنوا استباحة المدن العريقة. وتتجلى أبشع صور هذه الشريعة الغابية في جريمة استباحة مدينة صنعاء عام (1948م) بأمر من الإمام أحمد يحيى حميد الدين، حيث أُطلق العنان للنهب والسلب وترويع الآمنين وهتك الحرمات بطريقة تجردت من كل المبادئ والأخلاق، في ممارسة بشعة لا يمكن أن تصدر عن حاكم ينتمي لشعبه، بل عن محتل غاشم يتلذذ بتمزيق النسيج الاجتماعي وإذلال النفوس العزيزة التي ترفض الخنوع.
٣. صناعة الخراب وتفخيخ المستقبل
إن الجرم الأكبر لهذا الكهنوت الوافد هو محاربة الحياة ذاتها، والتفنن السادي في القتل والترويع؛ كما تجلى ذلك بوضوح في عام (1955م) حين أمر الإمام أحمد يحيى حميد الدين بالإعدام الوحشي لقادة الثورة والمعارضين عبر ربطهم على أفواه المدافع وتمزيق أجسادهم. وإلى جانب هذه الدموية، انتهجوا سياسة التجهيل المتعمد، ونظام الرهائن، والتجويع الممنهج، وسياسة الأرض المحروقة بقطع الأعناب وردم الآبار. لم يكن هدفهم فقط إخماد الثورات، بل تحويل اليمن إلى مقبرة كبرى وسجن مظلم، كي يسهل عليهم اقتياد شعب أعزل. إنها عقلية المستعمر الذي يدرك أن بقاءه مرهون بخراب الأرض وموت أهلها، لأن أمنياتهم بالسيادة والتسلط لا تتحقق إلا على أنقاض اليمن الممزق.
٤. وقاحة التوثيق وجرائم مدونة بمداد الفخر الأسود
ومن سريالية إجرامهم وبلوغهم ذروة السادية والوقاحة، أنهم لم يحاولوا مواراة سوءاتهم أو إخفاء مذابحهم كبقية مجرمي التاريخ، بل من شدة تجبرهم واستخفافهم بالإنسان اليمني، كانوا يوثقون فظائعهم ومجازرهم بأيديهم في كتبهم ومؤلفاتهم وسيرهم التاريخية! لقد دونوا بأقلامهم كيف أبادوا القرى، وكيف قطعوا الرؤوس وهدموا البيوت، معتبرين تلك الإبادات الجماعية بطولات تستحق الخلود وصكوكاً يثبتون بها سطوتهم. هذه المؤلفات السوداء تقف اليوم شاهداً دامغاً من كتبهم وعلى ألسنتهم، لتشهد على نرجسيتهم المريضة التي ترى في سحق اليماني وتدمير أرضه منجزاً تاريخياً يُفاخر به.
٥. سلاح التجهيل الممنهج وسلب الوعي بالقوة
لم يكن الفقر والجوع أسلحتهم الوحيدة، بل كان التجهيل المتعمد هو خط الدفاع الأول عن عروشهم الواهية. لقد أدرك هذا الكهنوت، عبر تاريخه المظلم، أن وعي اليمني هو بداية نهايتهم؛ لذا حظروا المدارس، وحاربوا المعرفة، وفرضوا طوقاً من العزلة المطبقة على الشعب، مستخدمين القوة الغاشمة لإبقاء الأجيال في ظلمات الجهل. لقد أرادوا تحويل الإنسان اليمني—سليل الحضارات ومشيّد السدود—إلى مجرد تابع مغيب الوعي، يسهل سوقه إلى حتفه لخدمة أطماعهم السلالية، مدركين أن بقاءهم مرهون باستمرار عمى الجهل وعزل اليمن عن ركب المدنية والتقدم.
٦. اتخاذ الدين غطاءً والكهانة والسحر وسيلة للخداع
وفي أبشع صور الانتهازية، وعبر استغلالٍ رخيص للفطرة السوية والتدين الفطري للإنسان اليمني الذي عُرف برقة أفئدته، حوّل هؤلاء الكهنة الدين الحنيف من رسالة حرية وعدالة إلى أداة للاستعباد وصكوك للحق الإلهي المزعوم. فلم يتورعوا عن تطويع النصوص وتزييف الوعي لشرعنة جرائمهم وجباية أموال المستضعفين بالباطل، متخذين من الدين نقطة ضعف يطعنون بها اليمني في أقدس ما يملك. ولم يقف دجلهم عند حدود استغلال العاطفة الدينية، بل تجاوزوه إلى استخدام الكهانة، والشعوذة، والدجل، وإشاعة الخرافات والسحر في أوساط العامة؛ لإرهاب النفوس وإيهام الشعب بأنهم يملكون قوى غيبية وخوارق لا تُقهر. لقد صنعوا من الخرافة قيوداً كبّلوا بها العقول قبل الأجساد، جاعلين من الكهانة والدجل سلاحاً موازياً للبارود لتثبيت سلطتهم على أنقاض وعي الأمة المنهوب