29/08/2026
*حين يصبح الامتحان امتحاناً للكرامة*
السويداء لا ترفض أن يمتحن أبناؤها، بل ترفض أن يتحول الامتحان إلى اختبار جديد للخوف والذل.
رحبت الأمم المتحدة في سوريا بالمرسوم الرئاسي رقم 163 الصادر في 19 آب/أغسطس، والذي منح طلاب محافظة السويداء دورة امتحانية استثنائية لشهادتي التعليم الأساسي والثانوي العام. وكان يفترض أن تفتح هذه الخطوة نافذة أمل أمام آلاف الطلاب الذين حالت الظروف الأمنية دون تقدمهم إلى امتحاناتهم في موعدها.
لكن النافذة التي فُتحت على الورق، بدت على الأرض محاطة بالأسلاك الشائكة والركام والذاكرة الثقيلة.
وفي بيان صادر اليوم، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء التطورات في محافظة السويداء، ولا سيما التقارير المتعلقة بمنع طلاب من الوصول إلى مراكز الامتحانات وفرض قيود أخرى على الحركة، مؤكدة أن لكل طفل الحق في التعليم وفي أداء امتحاناته ضمن بيئة آمنة ومستقرة وداعمة.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
منع الطالب من الامتحان أمر مرفوض، لكن إجباره على الوصول إلى مكان لا يشعر فيه بالأمان ليس حلاً.
المشكلة ليست في الامتحان نفسه، وليست في رغبة الأهالي بمنع أبنائهم من التعليم. المشكلة في المكان والظروف والضمانات.
بعد صدور المرسوم الرئاسي، وبعد لقاءات ومفاوضات وشروط قيل إن الأطراف ناقشتها وقبلت بها، كان يفترض أن تكون الأولوية تأمين امتحانات تحفظ للطالب حقه في التعليم، وحقه في الوقت نفسه في الأمان والكرامة.
لكن، وفق ما تبين، جرى توزيع عدد من الطلاب على مراكز امتحانية في قرى تعرضت خلال الأحداث الأخيرة للدمار والحرق وسقوط ضحايا، بينها مرافق عامة ومستوصَفات وبلديات وخيام أقيمت وسط مناطق ما زالت آثار الخراب بادية فيها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مقعد وطاولة وورقة امتحان:
كيف يمكن لطالب هُجّر من قريته أن يعود إليها ليكتب إجابة في ورقة امتحان، بينما كل زاوية حوله تذكّره بما حدث؟
كيف يمكن لطالبة أن تستجمع تركيزها في مكان ترتبط ذاكرتها به بالخوف والفقد والانتهاكات؟
وكيف يمكن للأب أن يرسل ابنته إلى منطقة لا يثق بأن سلامتها فيها مضمونة، ثم نطلب منه بعد ذلك أن يتحمل وحده مسؤولية قرار إرسالها؟
الامتحان يحتاج إلى هدوء.
والطالب يحتاج إلى أمان.
والشهادة تحتاج إلى بيئة لا يسبق فيها الخوف السؤال الأول.
لا يمكن بناء امتحان آمن بمجرد تجهيز المقاعد والقرطاسية والخيام، كما لا يمكن اختزال العملية التعليمية في إجراءات لوجستية. فاللوجستيات تؤمّن المكان، لكنها لا تؤمّن الشعور بالأمان.
قد يكون من السهل على المسؤول أن يتحدث أمام الكاميرا عن التحضيرات المتواصلة لإنجاح العملية الامتحانية، وعن تأمين المستلزمات، وعن الجهود المبذولة ليلاً ونهاراً.
لكن الطالب لا يرى الكاميرا.
يرى الطريق.
يرى الحاجز.
يرى القرية التي غادرها تحت الخوف.
يرى منزله المحترق.
يرى مدرسته المدمرة.
ويرى وجوه الذين فقدهم.
ثم يُطلب منه أن يفتح كتابه ويكتب اسمه بهدوء.
هذه هي المسافة التي لم ينتبه إليها الخطاب الرسمي.
فإذا كانت حكومة دمشق تقول إنها تريد إنقاذ مستقبل الطلاب، فعليها أن تدرك أن مستقبل الطالب لا ينفصل عن سلامته النفسية والجسدية، وأن حقه في التعليم لا يجوز أن يوضع في مواجهة حقه في الحياة والأمان.
ومن هنا، فإن تحميل الأهالي وحدهم مسؤولية تعطيل الامتحانات، أو تصوير اعتراضهم باعتباره عرقلة لحق أبنائهم في التعليم، يقلب جوهر المشكلة رأساً على عقب.
وفي المقابل، وبينما تؤكد الأمم المتحدة حق الطلاب في الوصول إلى الامتحانات، فإن المطلوب منها أن تذهب خطوة أبعد: أن تعمل على ضمان أن يكون هذا الوصول آمناً ومحايداً ومقبولاً من الطلاب وأهاليهم، لا أن تكتفي بإدانة من يخشى على أبنائه.
فالسويداء، كما يقول أهلها، لا تطلب إلغاء الامتحانات.
ولا تطلب إسقاط حق أي طالب في الشهادة.
بل تطالب بأن تُجرى الامتحانات داخل مدينة السويداء، وتحت إشراف وضمانات دولية واضحة، وبما يحفظ كرامة الطلاب ويمنع تحويل الامتحان إلى أداة ضغط سياسية أو أمنية.
وهذا، في تقديري، هو المخرج الذي يمكن أن يخرج الجميع من المأزق.
يمكن للأمم المتحدة، بوصفها جهة محايدة، أن تضطلع بدور مباشر في مراقبة العملية الامتحانية، وأن تساهم في تحديد مراكز آمنة، وأن تضمن حرية وصول الطلاب إليها، وأن تراقب عدم تعرض أي طالب أو عائلة للضغط بسبب قرار المشاركة أو عدمها.
ويمكن للسلطات القائمة في دمشق أن تثبت أن المرسوم لم يكن مجرد قرار إعلامي، عبر نقل الامتحانات إلى بيئة آمنة فعلياً، والاستجابة لمخاوف الأهالي بدلاً من تخوينهم أو تحميلهم مسؤولية ما لم يصنعوه.
كما يمكن للفعاليات المحلية في السويداء أن تلتزم بدورها بعدم منع أي طالب يرغب في تقديم امتحانه، شرط أن تتوافر له الضمانات الأمنية الحقيقية والمعلنة.
فلا ينبغي أن يكون أمام الطالب خياران:
إما الشهادة وإما الكرامة.
وفي بلد أنهكته الحرب، ربما يكون أول درس يجب أن نتعلمه هو أن التعليم لا يبدأ بورقة الأسئلة.
بل يبدأ بالشعور بأن الغد يستحق أن نصل إليه.
المقال : هبه كمال أبوسعدا
#عين