10/03/2026
القضاء على ايران مستحيل و هزيمة امريكا لا تخدم احد
تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل جيدًا أن جزءًا معتبرًا من الاستقرار السياسي والأمني في عدد من الدول العربية والإسلامية، بل وفي مناطق أخرى من العالم، يقوم على منظومات شراكة أمنية واستراتيجية معهما. فشبكات التعاون العسكري، والاتفاقيات الدفاعية، وأنظمة تبادل المعلومات الاستخباراتية، تشكّل جميعها بنيةً معقدة من الاعتماد المتبادل أسهمت خلال العقود الماضية في تشكيل توازنات إقليمية ودولية.
إلى جانب ذلك، تستند القوة الأمريكية والغربية عمومًا إلى قاعدة علمية وصناعية ضخمة تُعدّ من ركائز الاقتصاد العالمي المعاصر. فالاقتصاد الرقمي الحديث يقوم إلى حد كبير على الرقائق الإلكترونية المتقدمة التي تشغّل الحواسيب والهواتف الذكية ومراكز البيانات العملاقة. كما أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي أصبحت عنصرًا أساسيًا في مجالات متعددة مثل التشخيص الطبي المبكر للأمراض، وإدارة شبكات الطاقة الذكية، وتحسين الإنتاج الزراعي عبر تحليل البيانات المناخية والتربة، إضافة إلى تطبيقات الأمن السيبراني والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وفي السياق الاقتصادي الأوسع، ترتبط المكانة الدولية للولايات المتحدة ارتباطًا وثيقًا بالدور المركزي للدولار في النظام المالي العالمي. فمعظم التجارة الدولية في الطاقة، خصوصًا النفط والغاز، تُسعَّر بالدولار، الأمر الذي يعزز الطلب العالمي عليه ويمنح الاقتصاد الأمريكي قدرة استثنائية على التأثير في حركة الأسواق والتمويل الدولي. وقد لعب الشرق الأوسط، بصفته أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، دورًا محوريًا في ترسيخ هذه المعادلة طوال العقود الماضية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن إيران تمتلك قدرات عسكرية وعلمية معتبرة، إضافة إلى خبرة تقنية متراكمة في مجالات مثل الصناعات الدفاعية وتكنولوجيا الصواريخ والطاقة النووية. غير أن تحويل هذه القدرات إلى نفوذ عالمي شامل يماثل النفوذ الأمريكي يظل أمرًا بعيد المنال في المدى المنظور. فالدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في النظام الدولي يرتبط بشبكة معقدة من التحالفات والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية يصعب على قوة إقليمية منفردة أن تعوّضها.
من هنا يبرز سؤال جوهري: ما الفائدة الاستراتيجية من محاولة إضعاف الولايات المتحدة أو تكبيدها خسائر كبيرة إذا كان ميزان القوة العالمي لا يزال يميل بوضوح لصالحها؟ وهل يؤدي ذلك فعلاً إلى تغيير جوهري في بنية النظام الدولي، أم أنه يفتح الباب فقط لمزيد من عدم الاستقرار؟
تاريخ الحروب الكبرى يبيّن أن نهاياتها لا تخرج غالبًا عن مسارين رئيسيين: إما هزيمة حاسمة لأحد الأطراف، وهو خيار بالغ الكلفة ويكاد يكون مستحيلًا في عصر الردع النووي والتشابك الاقتصادي العالمي، أو التوصل إلى تسويات سياسية تفرضها موازين القوة والواقع الجيوسياسي.
من وجهة نظر إيران، فإن خطاب الدفاع عن السيادة والاستقلال السياسي يمثل عنصرًا محوريًا في سياستها الخارجية، وهو مبدأ تعترف به القوانين والأعراف الدولية. غير أن التساؤل المطروح في المقابل يتعلق بطبيعة التهديد الذي قد تمثله إيران للمصالح الحيوية المباشرة للولايات المتحدة، خاصة في ظل البعد الجغرافي الكبير بين الطرفين.
كما يبرز تساؤل آخر يتعلق بتحول النهج الأمريكي في إدارة الأزمات الدولية. فالولايات المتحدة قدّمت نفسها لعقود طويلة باعتبارها داعمًا للنظام الدولي القائم على المؤسسات متعددة الأطراف والتنسيق الدبلوماسي لحل النزاعات. فلماذا يبدو أن الخيار العسكري أو سياسات الضغط القصوى أصبحت أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة؟ وهل يعكس ذلك تحولات في ميزان القوى العالمي، أم صعود منافسين جدد، أم تغيرًا في أولويات الأمن القومي الأمريكي؟
يبقى في النهاية سؤال بالغ الأهمية: من سيدفع كلفة الحروب والصراعات إذا تصاعدت إلى مستويات أوسع؟ التجارب الحديثة، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، تشير بوضوح إلى أن الشعوب والبنى الاقتصادية للدول هي التي تتحمل العبء الأكبر، سواء عبر الدمار المباشر أو عبر سنوات طويلة من إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
إن العالم اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى؛ فالتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، والنظام المالي العالمي جميعها مترابطة بشكل يجعل أي صراع واسع النطاق ذا آثار تتجاوز حدود الدول المتحاربة لتطال الاقتصاد العالمي بأسره.
لهذا السبب، قد يكون الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس في مراكمة الخسائر المتبادلة، بل في البحث عن معادلة توازن جديدة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الدولي، وتفتح المجال أمام حلول سياسية واقعية بدل الانزلاق نحو صراعات مفتوحة.
و الله ولي التوفيق.