07/06/2026
الرفيق المناضل عبدالرحمن بخيت التوم (مُلّة)
حين يُذكر العطاء الصادق، والفكر المستنير، والنضال الذي لا ينتظر جزاءً ولا شكوراً، يحضر اسم الرفيق عبدالرحمن بخيت التوم (مُلّة) كواحد من أبناء مدرسة سلمي التحريرية الذين حملوا القضية في عقولهم وقلوبهم، وجعلوا من حياتهم جسراً تعبر عليه آمال المظلومين نحو غدٍ أفضل.
كان عبدالرحمن واحداً من الكوادر النادرة التي يصعب أن تتكرر، قيادياً فذاً امتلك وعياً سياسياً عميقاً، وشخصية مؤثرة، وحضوراً طاغياً في ساحات العمل الطلابي والفكري. آمن منذ وقت مبكر بمشروع التحرير العريض، وانخرط في نشر أفكاره وتوضيح أهدافه، مؤمناً بأن التغيير الحقيقي يبدأ من وعي الجماهير وإدراكها لحقوقها وقضاياها العادلة.
تنقل بين الجامعات السودانية من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، حاملاً رسالة التنوير والتوعية. كان حاضراً في الندوات والمنتديات والنقاشات الفكرية، يشرح الرؤية، ويفكك المفاهيم المغلوطة، ويدافع عن قضايا الهامش والمهمشين بلغة العقل والمنطق والحجة القوية. استطاع أن يكسب احترام الكثيرين، حتى من أولئك الذين اختلفوا معه فكرياً وسياسياً، لأنهم وجدوا فيه مثالاً للمناضل الصادق الذي يحمل قضية يؤمن بها بكل جوارحه.
وسط طلاب الجامعات كان عبدالرحمن مدرسة قائمة بذاتها. عرفه الجميع بجرأته في قول الحق، وثباته على المبدأ، وعدم خضوعه للضغوط أو الإغراءات. وكان من أكثر الأصوات قوة وتأثيراً في مواجهة خطاب الحركة الإسلامية داخل المؤسسات التعليمية، حيث خاض معارك فكرية وسياسية عديدة دفاعاً عن قيم الحرية والعدالة والمساواة، مؤمناً بأن السودان لا يمكن أن يستقر إلا على أسس الإنصاف والاعتراف بحقوق جميع مكوناته.
لم تكن حياة عبدالرحمن طريقاً مفروشاً بالورود، بل كانت مليئة بالتحديات والمضايقات والاستهداف. تعرض للملاحقة والتضييق بسبب مواقفه السياسية وانحيازه الواضح لقضايا شعبه، وتحمل الكثير من المعاناة في سبيل ما آمن به. لكنه لم يتراجع يوماً، ولم يساوم على مبادئه، وظل ثابتاً كالجبل، مؤمناً بأن النضال الحقيقي يقتضي التضحية والصبر وتحمل المشاق.
كان محباً للناس، قريباً من البسطاء، واسع الابتسامة، كريم الأخلاق، يحمل هموم الآخرين كما يحمل همومه الخاصة. عرفه رفاقه أخاً قبل أن يكون قائداً، وصديقاً قبل أن يكون سياسياً. لذلك لم يكن تأثيره مقتصراً على العمل العام فحسب، بل امتد إلى نفوس كل من عرفوه وتعاملوا معه.
وحين ضاقت به الأوطان بما رحبت، وحين أصبحت الحياة أكثر قسوة على الشباب الباحثين عن الكرامة والأمان، قرر أن يخوض رحلة الهجرة الشاقة، متطلعاً للوصول إلى أوروبا، حاملاً في قلبه أحلاماً كبيرة بمستقبل أفضل له ولأسرته ولمواصلة رسالته الإنسانية والنضالية. لكنه مضى إلى قدر كتبه الله له، فكان البحر الأبيض المتوسط شاهداً على آخر فصول حياته.
هناك، وسط الأمواج العاتية، توقفت رحلة الجسد، لكن رحلة الفكرة لم تتوقف. رحل عبدالرحمن إلى جوار ربه، وبقيت سيرته حية في ذاكرة رفاقه وأصدقائه وكل من عرف صدقه وإخلاصه. رحل وهو يحمل أحلام جيل كامل من الشباب الذين دفعتهم الظروف القاسية إلى البحث عن حياة أكثر أمناً وعدلاً، لكنه ترك وراءه تاريخاً ناصعاً من العطاء والنضال والمواقف المشرفة.
إن عبدالرحمن بخيت التوم (مُلّة) لم يكن مجرد اسم عابر في سجل النضال، بل كان صفحة مضيئة من صفحات الكفاح الطلابي والسياسي، ورمزاً من رموز الوعي والتنوير في أوساط الشباب. وستظل مواقفه وأفكاره وإسهاماته شاهدة على رجل عاش من أجل قضية، ومضى وهو متمسك بها حتى آخر لحظة من حياته.
نم قرير العين أيها الرفيق العزيز، فقد تركت أثراً لا تمحوه الأيام، وغرست قيماً ستبقى حية في وجدان الأجيال القادمة. رحمك الله رحمة واسعة بقدر ما حملت من هموم شعبك، وبقدر ما بذلت من جهد في سبيل الحرية والكرامة والعدالة.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واجعله في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
الذكرى الخالدة للرفيق المناضل عبدالرحمن بخيت التوم (مُلّة)، أحد أبناء سلمي الأوفياء الذين رحلوا وبقي أثرهم شاهداً على عظمة ما قدموا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحم الله عبدالرحمن بخيت التوم (مُلّة)، وجعل سيرته العطرة وإخلاصه لقضايا شعبه نوراً يضيء درب الأجيال القادمة.