29/09/2025
#حكواتي-شهبا
في أحد الاجتماعات التحريرية، وبينما كانت الأوراق تتطاير من بين أيدي المحررين، رفع أحدهم رأسه وقال:
"هل نكتب مقالاً أم مقالة؟ وهل هناك فرق أصلاً؟"
ضحك البعض، وتجاهل آخرون السؤال كأنه ترف لغوي لا يستحق الوقوف عنده. لكنني لم أضحك. لأنني أعرف أن اللغة ليست ترفًاً، بل بوابة الفهم، ومفتاح المهنة لتمييز الذين يعلمون عمن لا يعلمون.
بدأت أشرح لهم، لا كمدقق لغوي، بل كمن يعرف أن كل كلمة تحمل وزناً، وأن الفرق بين "مقال" و"مقالة" ليس مجرد حرف زائد.
🔹 "مقال" هو الأصل، صيغة مجردة، تُستخدم غالباً في السياقات الأكاديمية أو التحليلية.
🔹 أما "مقالة"، فهي صيغة تأنيث، لا تصغير، رغم ما يوحي به شكلها. وغالباً ما تُستخدم في الأدب والصحافة، حيث يُسمح للكاتب بالتمدد في التأمل والسرد.
لكن المفارقة التي أربكتهم كانت في الطول: كيف تكون "مقالة" أطول من "مقال" وهي تبدو تصغيراً؟
هنا أوضحت أن الطول لا علاقة له بالصيغة، بل بالأسلوب والغرض. فالمقال قد يكون مركزاً ومكثفاً، بينما المقالة قد تكون سردية، متشعبة، حرة في بنائها.
توقفت لحظة، ثم قلت لهم:
"نحن نعيش في زمن الفوضى الإعلامية، حيث يدخل المهنة من يشاء، بلا أدوات، بلا فهم، بلا مسؤولية. لكننا، رغم كل شيء، نملك ما لا يملكه هؤلاء: المعرفة، العزم والقدرة على التمييز."
ثم ختمت حديثي بنصيحة أكررها دائماً لطلابي:
لا تكتب قبل أن تفهم، ولا تنشر قبل أن تتحقق، ولا تتحدث قبل أن تسأل نفسك: هل أضيف شيئاً؟ أم أكرر الضجيج؟
في زمن الضجيج، يصبح الصمت المدروس هو المقال الحقيقي.