01/08/2026
مستشار أول الدبلوماسي محمد زيني حمادي،يكتب..... ، سبعة أعوام... حين يصبح الإنجاز أبلغ من الجدل
في السياسة، قد تنجح الدعاية في صناعة ضجيج مؤقت، لكنها تعجز عن صناعة منجز دائم. فالخطاب يمكن أن يثير الانفعال، أما الإنجاز فهو وحده القادر على تغيير الوقائع. ولهذا، فإن الدول لا تُقاس بما يُقال عنها، وإنما بما يُبنى فيها، وما يتحقق لمواطنيها، وما تصمد به مؤسساتها أمام تقلبات الزمن.
سبعة أعوام من قيادة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لم تترك الساحة السياسية كما وجدتها. فقد تسلم الرجل مقاليد الحكم في ظرف إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تعاقبت خلاله أزمات اقتصادية وصحية وأمنية عصفت بدول أكثر ثراءً واستقراراً. ومع ذلك، حافظت موريتانيا على تماسكها، ورسخت استقرارها، ومضت في تنفيذ برامجها وإصلاحاتها بثقة واتزان، حتى أصبح تقييم هذه المرحلة محكوماً بالوقائع أكثر من الخطابات، وبالنتائج أكثر من الأمنيات.
لقد راكمت السلطة، خلال هذه السنوات، رصيداً من الإنجازات جعل أنصارها لا يفتقرون إلى الحجج، وجعل خصومها لا يملكون رفاهية الإنكار. ولم يعد الخطاب المعارض، في كثير من الأحيان، ينازع في وجود الإنجاز، بقدر ما يناقش حجمه أو يحاول التقليل من أثره. وفي الأعراف السياسية، لا ينتقل الجدل من إنكار الوقائع إلى تأويلها إلا عندما تصبح تلك الوقائع عصية على التجاهل.
وإذا كانت السنوات الأولى قد أرست معالم المشروع وحددت اتجاهه، فإن السنتين الأخيرتين حملتا إيقاعاً تنفيذياً أكثر سرعة ووضوحاً مع تولي الوزير الأول المختار ولد أجاي تنسيق العمل الحكومي. فقد بدت الحكومة أكثر انسجاماً في الأداء، وأكثر حسماً في المتابعة، وأقرب إلى منطق الإنجاز المقاس بالمؤشرات لا بالوعود. وتسارعت وتيرة تنفيذ المشاريع، وتعززت آليات المتابعة والتقييم، وأصبح الحضور الميداني للإدارة جزءاً من فلسفة العمل الحكومي، بما أضفى على البرنامج الرئاسي ديناميكية جديدة جعلت أثره أكثر حضوراً في الواقع. لقد كانت تلك المرحلة انتقالاً من تراكم الإنجاز إلى تسريع الإنجاز، ومن بناء الرؤية إلى تعظيم أثرها.
وليس من الإنصاف أن يُختزل أي مشروع وطني في زوايا النقص، وكأن الكمال شرط للاعتراف بالنجاح. فالدول لا تُدار بالمعجزات، وإنما بتراكم الإصلاحات، ولا تُبنى بالقفزات الدعائية، وإنما بالخطوات الواثقة التي تضيف لبنة فوق أخرى حتى يكتمل البناء.
إن أخطر ما يواجه أي معارضة هو أن تجعل خصومتها السياسية حجاباً يحول بينها وبين رؤية الحقائق. فالمعارضة الرشيدة تُحاسب، وتنتقد، وتقدم البدائل، لكنها لا تدخل في خصومة مع الوقائع. أما حين يصبح إنكار المنجز هو البرنامج الوحيد، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون السلطة، وإنما مصداقية الخطاب المعارض نفسه.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب قد تختلف حول الأشخاص، لكنها تتفق، في نهاية المطاف، على حكم النتائج. فالذاكرة الوطنية لا تحفظ ضجيج المنابر، وإنما تحفظ ما أُنجز على الأرض، وما بقي أثره بعد أن هدأت السجالات وانفضت الحشود.
ومن هنا، فإن السنوات السبع الماضية ليست مجرد فترة حكم، بل مرحلة أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ورسخت فكرة أن الاستقرار ليس غاية في ذاته، وإنما شرط لكل تنمية، وأن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بسرعة الشعارات، بل بقدرته على الصمود والتراكم وإحداث الأثر.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في توصيف هذه التجربة أنها أصبحت جزءاً من السجل الوطني الذي سيحتكم إليه المؤرخ قبل السياسي، والمواطن قبل الإعلامي. وحين تبلغ التجربة هذه المنزلة، فإن السؤال لا يعود: هل كان هناك إنجاز؟ بل يصبح: هل يمكن قراءة هذه المرحلة بإنصاف دون الاعتراف بما تحقق خلالها؟
وهنا يصدق المعنى القرآني البليغ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. فليست قيمة الحكم في عدد سنواته، وإنما فيما يغرسه من أمن واستقرار، وما يحققه من رخاء، وما يورثه للأجيال من دولة أكثر قوة، ومؤسسات أكثر رسوخاً، ومستقبل أكثر أملاً.
فالوقائع، في نهاية المطاف، لا ترفع صوتها، لكنها تبقى. أما الضجيج، مهما علا، فإنه يخفت عندما يبدأ التاريخ في كتابة روايته.