27/06/2025
⚫ ✍️ نبي الله إدريس عليه السلام: نبوة وعلم وحكمة .
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يُعدّ الأنبياء والمرسلون أعظم النماذج البشرية التي اصطفاها الله تعالى ليكونوا منارات هدى ونورًا للبشرية. وفي هذا البحث، سنتناول سيرة أحد هؤلاء الأنبياء العظماء، وهو نبي الله إدريس عليه السلام، الذي امتنّ الله عليه بالنبوة والحكمة، ورفعه مكانًا عليًّا. سنُسلّط الضوء على جوانب متعددة من حياته، مُستمدّين معلوماتنا من آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال أهل العلم من المفسّرين والمحدّثين والفقهاء، مُحاولين الجمع بين الطابع العلمي الدقيق، والوعظي المؤثر، والأدبي الساحر، والفقهي الأصولي، لنُقدّم صورة شاملة وممتعة قدر الإمكان.
⚫ نسبه وعصره
● نسبه
اختلف العلماء في نسب نبي الله إدريس عليه السلام، ولكنّ الرأي الأقوى والأكثر شيوعًا بين أهل العلم هو أنه من ذرية شيث بن آدم عليهما السلام.
* القرآن الكريم: لم يُفصّل القرآن الكريم في نسبه، ولكنه ذكره باسمه في موضعين.
* أقوال العلماء:
يقول ابن كثير في "البداية والنهاية": "إنه إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليهم السلام".
⚫ اسمه ولقبه
● اسمه
الاسم الذي ذكره الله تعالى في كتابه هو "إدريس".
* القرآن الكريم: ورد اسمه في سورتي مريم والأنبياء. قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) [مريم: 56-57]. وقال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ) [الأنبياء: 85].
● لقبه
• الخياط: سُمّي بذلك لأنه كان يعمل في خياطة الثياب، وهو أول من خاط الثياب بعد أن كان الناس يلبسون الجلود. هذا العمل كان مصدر رزقه، ويُظهر قيمة العمل والمهنة في حياة الأنبياء.
• المُدَرّس: قيل إن اسمه "إدريس" مشتق من "الدراسة" أو "الدروس" لكثرة دراسته للصحف المنزلة عليه.
* يرى بعض العلماء أن هذا مجرد استنباط لغوي، وليس له سند من حديث صحيح، بينما يرى آخرون أنه ينسجم مع حكمة إدريس وعلمه. يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" إن إدريس أول من خط بالقلم، وهذا يتناسب مع معنى "الدراسة".
⚫ نبوته وصفاته
● نبوته وصدقه
اصطفاه الله تعالى ليكون نبيًّا ورسولًا، وخصّه بصفة الصدّيقية، وهي أعلى مراتب الصدق والإيمان.
قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) [مريم: 56].
من خلال هذه الآية، نستنبط أن الصدّيقية هي درجة عظيمة تأتي بعد النبوة مباشرة، وقد جمع الله له بين النبوة والصدّيقية، وهذا يدلّ على عظم شأنه ورفعة منزلته.
● حكمته وعلمه
كان إدريس عليه السلام من أولي العزم في العلم والحكمة، فقد علّمه الله تعالى أمورًا كثيرة لم تُعرف قبله.
* أول من خط بالقلم: يُقال إنه أول من خط بالقلم وكتب، وهذا يُعدّ فتحًا عظيمًا في تاريخ البشرية، حيث بدأ عصر التدوين وحفظ العلوم والمعارف.
* أول من نظر في علم النجوم: قيل إنه كان ينظر في علم النجوم والحساب.
* أول من قاس الثياب وخاطها: كان الناس قبله يلبسون جلود الحيوانات، فكان هو أول من خاط الثياب، فكان بذلك سببًا في ستر العورات وتزيين البشر.
* الحث على العلم: يُستفاد من سيرة إدريس عليه السلام أن العلم هو أساس النهوض والتطور، وأنه كان من الأوائل الذين أرشدوا البشرية إلى أهمية المعرفة والتعلم.
⚫ رفع مكانته
● الآية الكريمة
قال تعالى في سورة مريم: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) [مريم: 57]. هذه الآية هي محور الحديث عن إدريس عليه السلام، فقد اختلف العلماء في تفسيرها.
* الاحتمال الأول: الرفع المعنوي: يرى بعض العلماء أن الرفع هنا هو رفع معنوي، أي رفعة في الشأن والمنزلة والمكانة عند الله تعالى، بسبب طاعته وتقواه. هذا التفسير يتوافق مع باقي الآية التي تصفه بالصدّيقية والنبوة.
* الاحتمال الثاني: الرفع الحسي: يرى جمهور المفسّرين أن الرفع هنا هو رفع حسي بجسده إلى السماء. وقد وردت في ذلك بعض الروايات والأقوال.
• في حديث الإسراء والمعراج الذي رواه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرّ بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة. قال صلى الله عليه وسلم: "ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ونعم المجيء، ففتح، فلما خلصت إذا إدريس، فرحب بي ودعا لي بخير" [صحيح البخاري: 3887، صحيح مسلم: 162].
* الوعظ والعبرة: سواء كان الرفع حسيًّا أم معنويًّا، فإن العبرة العظيمة التي نستفيدها من هذه الآية هي أن الله تعالى يُكرم عباده الصالحين، ويرفع شأنهم في الدنيا والآخرة، جزاءً لإيمانهم وعملهم الصالح.
⚫ حكمة نبوته ودروسها
● الدعوة إلى الله
كان إدريس عليه السلام يدعو قومه إلى توحيد الله وعبادته، ونبذ الشرك وعبادة الأصنام.
* يُستفاد من سيرته أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يبدؤون دعوتهم بالأساسيات، وهي توحيد الله، ثم ينتقلون إلى تفاصيل الشريعة.
● صبره على الدعوة
كان إدريس عليه السلام صابرًا محتسبًا في دعوته، ولم ييأس من قومه، بل استمر في إرشادهم إلى الحق.
* مواساة الأنبياء: عندما نقرأ عن صبر إدريس وغيره من الأنبياء، فإننا نجد في ذلك مواساة عظيمة لنا، حيث نتعلم أن طريق الحق ليس مفروشًا بالورود، بل يحتاج إلى صبر ومصابرة.
● الجمع بين العمل الصالح وطلب العلم
يُظهر لنا نبي الله إدريس عليه السلام نموذجًا فريدًا في الجمع بين العمل الدنيوي (الخياطة) والعمل الأخروي (النبوة والدعوة)، وطلب العلم (الصحف المنزلة).
وهذا ينسجم مع القاعدة الأصولية التي تُبيّن أن العبادة ليست محصورة في الشعائر التعبدية فقط، بل تشمل كل عمل صالح يؤديه المسلم بنية خالصة لله تعالى، حتى ولو كان عملًا دنيويًّا.
⚫ خاتمة .
سيرة نبي الله إدريس عليه السلام هي سيرة عظيمة وملهمة، تُلهمنا أن نسعى لطلب العلم والعمل الصالح، وأن نتحلّى بالصبر والحكمة في حياتنا. لقد كان إدريس عليه السلام نموذجًا للصدّيقية والنبوة، ورفع الله شأنه في الدنيا والآخرة.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاقتداء بأنبيائه المرسلين، وأن يُعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علّمنا، والحمد لله رب العالمين...