30/07/2026
: لم يكن ما جرى في ميناء دمياط عصر الأربعاء حادثاً عابراً يمكن طيّ صفحته ببيان مقتضب أو بتصريح مطمئن. كانت طائرة مسيّرة مجهولة المصدر قد اخترقت الأجواء وضربت سفينتي غاز راسيتين في واحد من أهم موانئ مصر على البحر المتوسط، في اعتداء سافر هو الأول من نوعه على منشأة حيوية داخل المياه المصرية. وإذا كانت يقظة رجال الميناء وفرق الإطفاء قد حالت دون كارثة، فإن حجم الجريمة لا يُقاس بحجم الحريق الذي أُخمد، بل بحجم الرسالة التي أراد الجناة إيصالها: أن أمن مصر واقتصادها وموانئها باتت في مرمى النيران.
فلنسمِّ الأشياء بأسمائها. ما حدث عدوان على السيادة المصرية، كامل الأركان، واضح المعالم. مساء الأربعاء، وفي تمام الثانية والثلث بعد الظهر بتوقيت غرينتش، ضربت المسيّرة ناقلة الغاز "جاسلوج سالم" ووحدة التخزين وإعادة التغويز "إنرجوس وينتر" المرتبطة بشركة أمريكية، فاندلع حريقان جرت السيطرة عليهما سريعاً دون خسائر بشرية. وقد حسم مجلس الوزراء المصري الأمر صباح اليوم حين أكد رسمياً أن الحادث ناتج عن طائرة مسيّرة، ليضع حداً لأي محاولة للتهوين أو التشكيك.
إن من أطلق هذه المسيّرة أياً كانت الجهة التي تقف خلفها، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها حتى كتابة هذه السطور قد ارتكب حماقة استراتيجية لا تُغتفر. فهو لم يستهدف سفينتين فحسب، بل استهدف قوت المصريين وأمنهم الطاقي، واستهدف مكانة مصر بوصفها ممراً آمناً للتجارة والطاقة في شرق المتوسط، وراهن على أن القاهرة، المنشغلة بإطفاء حرائق الإقليم من غزة إلى السودان إلى ليبيا، ستبتلع الإهانة. وهذا رهان خاسر. فمصر التي ضبطت النفس طويلاً، وامتنعت عن الانجرار إلى أتون الصراعات المشتعلة من حولها، لم يكن ضبط نفسها يوماً ضعفاً، بل حكمة دولة تعرف وزنها وتدّخر قوتها.
ويخطئ من يقرأ هذا الاعتداء بمعزل عن سياقه. فالمنطقة تغلي: هجمات على منشآت الطاقة السعودية، وملاحة مهددة في البحر الأحمر، وتحالف دولي يتشكل لمواجهة هذا العبث، ومحللون يرجّحون أن الضربة امتداد لمحاولات توسيع رقعة الحرب وجرّ دول جديدة إليها. بل إن تقارير نقلت عن مصادر إيرانية وصفها للحادث بأنه "رسالة تهديد". فإذا صحّ ذلك، فليسمع أصحاب الرسالة الجواب واضحاً: مصر لا تُبتز، ومصر لا تُستدرج، ومصر إن قررت الرد لا تحتاج إلى وسيط يبلّغ رسائلها.
المطلوب اليوم ثلاثة أمور لا يحتمل أيٌّ منها التأجيل. أولاً، تحقيق شفاف وعاجل يكشف للرأي العام مصدر المسيّرة ومسارها والجهة المشغّلة لها، فالشعب المصري من حقه أن يعرف من تجرأ على موانئه. ثانياً، مراجعة شاملة لمنظومة الدفاع الجوي حول المنشآت الحيوية والموانئ ومحطات الغاز، فالمسيّرة التي وصلت إلى دمياط قد تصل غداً إلى غيرها إن لم تُسدّ الثغرة. ثالثاً، تحرك دبلوماسي حازم يضع المجتمع الدولي ومجلس الأمن أمام مسؤولياتهم، فالاعتداء على ميناء مدني تجاري ترسو فيه سفن تحمل أعلاماً أجنبية ليس شأناً مصرياً وحده، بل عدوان على أمن الملاحة والتجارة الدوليتين.
لقد جرّب كثيرون على مدار التاريخ اختبار صبر مصر، وكانت النتيجة واحدة في كل مرة: من ظنّ أن ضبط النفس غفلة، دفع الثمن. إن دخان دمياط الذي تبدد سريعاً بفضل رجال أشداء يجب ألا يتبدد من ذاكرة صانع القرار ولا من ذاكرة الأمة. فالوطن الذي حمى قناته وأرضه وحدوده قادر على حماية موانئه، ومن يعبث بأمن مصر عليه أن يدرك أن يدها التي طالما امتدت بالسلام، هي نفسها اليد التي تعرف كيف تحمي، وكيف ترد، وكيف تجعل من التجرؤ عليها ندماً لا يُنسى.
دمياط ليست هدفاً. دمياط إنذار أخير لمن لم يفهم بعد أن مصر خطٌّ أحمر.