05/06/2026
الجزء الثاني
# # # المشهد الخامس: الهاوية الميكانيكية
انفتح الباب الأحمر بالكامل. لم يكن وراءه ممر أو غرفة إضافية في القصر، بل كان هناك فراغ أسود لا نهائي، تتناثر فيه تروس عملاقة مصنوعة من معدن وعظام، تدور ببطء شديد وتتداخل معاً في آلية مرعبة. كان كل سنّ من أسنان تلك التروس الضخمة يحمل وجهاً بشرياً يصرخ بصمت متحجر.
وسط الضباب الأسود المتسرب، ظهر "عمار". لم يكن عمار القديم؛ كانت عيناه قد اختفيتا، وحل مكانهما عقربا ساعتين يدوران بسرعة جنونية تحت جلده الشاحب.
مد عمار يده المعدنية نحو ياسين وقال بصوت تتداخل فيه آلاف الأصوات:
> "الوقت لا يمضي يا أسطى ياسين... الوقت يأكلنا ليتحرك. نحن لسنا سوى وقود لهذه الآلة."
>
تراجع ياسين حاسراً، واصطدمت قدماه بالطاولة. مد يده بذعر التقط مطرقته الحديدية الثقيلة، وبكل ما بقي له من قوة وعزم، رفعها وهوى بها على الساعة السوداء المربوطة بالقلب النابض.
**تـحـطـم زجاج الساعة الأسود.**
لكن بدلاً من أن تتوقف اللعنة، خرج من جوفها سائل أسود لزج كالحبر، تدفق بغزارة على الأرض وبدأ يلتف حول قدمي ياسين كأفاعٍ من الظلام. النبض المكتوم *(دب.. دب.. دب)* تحول فجأة إلى ضربات طبول ضخمة وعنيفة هزت أركان القبة الزجاجية.
# # # المشهد السادس: الترس الأخير
بدأت جدران الورشة تتلاشى كالدخان. الساعات الأثرية، لوحات الحائط، المقاعد الخشبية، وصواني النحاس... كل شيء انهار وتحول إلى رماد زمني تطاير في الفراغ. وجد ياسين نفسه معلقاً في العدم أمام الباب الأحمر الذي يمتص كل شيء حوله.
نظر ياسين إلى يده اليمنى، واجتاحه رعب شلّ تفكيره؛ أصابعه بدأت تتصلب، وجلده الشاحب تحول إلى معدن نحاسي معتق، ومفاصله أصبحت تروساً صغيرة تدور بصرير حاد. كان يتلاشى عمارةً وتاريخاً ليصبح جزءاً من الماكينة العظمى.
دوى الصوت الجهوري من قلب الفراغ الأسود، يملأ كيانه:
> "كل صانع ساعات يظن أنه يتحكم في الوقت... حتى يكتشف أن الوقت هو من يصنعه ليتغذى عليه. مرحباً بك في قلب الأبدية يا ياسين. لقد أصبحت الترس الأخير."
>
أُغلق الباب الأحمر بعنف مدمّر. *(بام!)*
وانقطع الصوت، وانقطع الضوء، وانقطع الزمن.
# # # الخاتمة: صباح اليوم التالي
تشرق الشمس الخافية فوق مآذن حي خان الخليلي، وتتسلل أشعتها لتنير ممر الساعاتيين. يتقدم أحد التجار ليفتح باب "قصر الميقات" المغلق.
الورشة تبدو هادئة، عادية جداً، وتفوح منها رائحة الخشب القديم والزيت. آلاف الساعات معلقة على الجدران، وتتكتك بانتظام طبيعي ومألوف *(تيك.. تاك.. تيك.. تاك)*.
لا وجود لـ "ياسين"، ولا أثر لـ "عمار". كأن المكان لم يعرفهما قط.
لكن على المكتب الخشبي، في وسط الغرفة، تجلس ساعة جيب سوداء فاخرة، مصنوعة من معدن داكن لا يعكس الضوء، وبلا عقارب. ينعكس على زجاجها المعتم بدقة شديدة صورة الباب الرئيسي للمحل.
يدخل زبون جديد إلى الورشة، تقع عيناه على الساعة الفريدة، يبتسم بفضول غامر، ويمد يده ليتحسس ملمسها البارد... وتبدأ التروس في الدوران من جديد.