12/09/2026
ماذا لو كانت حروب المنطقة وأوكرانيا حلقات في صراع واحد على الطاقة والنفوذ؟
عندما ننظر إلى حروب الشرق الأوسط والحرب الروسية ـ الأوكرانية كلٌّ على حدة، قد تبدو الأحداث متفرقة.
لكن عند وضعها على خريطة واحدة، وربطها بعوامل مثل النفط والغاز والموانئ وطرق النقل والأسواق الأوروبية، تبرز فرضية سياسية مختلفة تمامًا.
وهذه ليست حقيقة أزعم امتلاك دليل قاطع عليها، بل سيناريو أطرحه للنقاش: ماذا لو كان ما نراه اليوم جزءًا من عملية إعادة تشكيل طويلة الأمد لخريطة الطاقة والنفوذ في المنطقة؟
أوكرانيا ليست مجرد حرب بين روسيا وأوكرانيا
كانت روسيا لعقود أحد أهم موردي الطاقة إلى أوروبا.
ومن منظور جيوسياسي أمريكي، فإن تقليص اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية يحقق هدفًا استراتيجيًا مهمًا: إضعاف العلاقة الاقتصادية بين روسيا وأوروبا، وتقليص قدرة موسكو على استخدام الطاقة أداةً للنفوذ، وزيادة اعتماد أوروبا على مصادر أخرى.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم أهمية استمرار الحرب.
فإذا استمرت الحرب والعقوبات والقطيعة بين روسيا وأوروبا، فستصبح عودة العلاقة الاقتصادية السابقة أكثر صعوبة، وستضطر أوروبا إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة.
ومن بين المستفيدين المحتملين من هذا التحول قطاع الطاقة الأمريكي.
لكن هناك هدفًا آخر أكثر أهمية:
فروسيا المستقرة اقتصاديًا، والمرتبطة بأوروبا، والقادرة على تصدير الطاقة بحرية، تظل قوة عالمية قادرة على منافسة النفوذ الأمريكي.
لذلك، فإن إضعاف القدرات الاقتصادية وقطاع الطاقة في روسيا يمثل جزءًا مهمًا من الصراع على شكل النظام الدولي، حتى لو لم يكن ذلك السبب الوحيد للحرب.
وفي الجنوب… الخليج والبحر الأحمر
في الجهة الأخرى من الخريطة تقع منطقة الخليج.
ويحتاج نفط الخليج إلى طرق آمنة للوصول إلى الأسواق العالمية، ومن أهم هذه الطرق المرور عبر مضيق هرمز، ثم المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، وصولًا إلى البحر المتوسط وأوروبا.
وكلما أصبحت هذه الطريق عرضة للحروب والتهديدات، ارتفعت تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وازدادت الحاجة إلى طرق بديلة.
وهنا تبرز أهمية الحرب في اليمن والتوترات في البحر الأحمر.
فإذا أصبح البحر الأحمر طريقًا غير آمن، فسيبدأ العالم في البحث عن مسارات أخرى.
وهذه ليست مجرد مسألة عسكرية.
إنها مسألة جغرافيا اقتصادية.
وهنا تأتي سوريا والعراق
يمتلك العراق احتياطيات نفطية كبيرة، بينما تقع سوريا في موقع جغرافي استثنائي بين العراق والبحر المتوسط.
ومن هنا تبرز فرضية تستحق النقاش:
ماذا لو أصبحت سوريا، بعد سنوات من الصراع، جزءًا من شبكة جديدة لنقل الطاقة من العراق والمنطقة نحو البحر المتوسط؟
في هذه الحالة، يكتسب ميناء بانياس أهمية استراتيجية في أي تصور مستقبلي لنقل النفط عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط.
وبالتالي، يمكن تصور معادلة جديدة:
نفط العراق → الأراضي السورية → بانياس → البحر المتوسط → أوروبا.
وقد تدخل موانئ شرق المتوسط الأخرى في حسابات مستقبلية مختلفة، تبعًا للتطورات السياسية والاقتصادية.
وهذا يعني أن موقع سوريا قد يتحول من كونه أحد أسباب الصراع الجيوسياسي إلى أحد أهم عناصر إعادة بناء المنطقة.
لكن أين الصين؟
وهنا يبرز سؤال أراه غائبًا عن كثير من النقاشات:
أين الصين من هذه المعادلة؟
الصين قوة صناعية كبرى تحتاج إلى الطاقة، وهي لاعب رئيسي في الشرق الأوسط، ولها علاقات اقتصادية واسعة مع دول الخليج وإيران والعراق.
فإذا أُعيد رسم طرق الطاقة المتجهة إلى أوروبا، فلن تكون الصين مجرد متفرج.
وقد يكون السؤال الحقيقي:
هل ستسمح الصين بتشكّل شبكة الطاقة الجديدة بالكامل تحت النفوذ الأمريكي؟
أم ستسعى إلى بناء طرق ومشاريع بديلة تربط الخليج والعراق وإيران بآسيا والصين، بحيث لا تصبح أوروبا وحدها محور المنافسة على نفط الشرق الأوسط؟
وقد يكون عدم وضوح الدور الصيني حتى الآن أحد أكثر العناصر أهمية في هذه المعادلة.
وإيران؟
تقع إيران في قلب هذه الخريطة.
فهي دولة نفطية كبرى، وتطل على الخليج، وتمتلك نفوذًا في العراق وسوريا ولبنان، وتتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وإذا استمر الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الخليج، فإن جزءًا كبيرًا من طاقتها السياسية والعسكرية والاقتصادية سيظل موجهًا إلى الأمن والصراعات الإقليمية.
وهنا تظهر فرضية أخرى:
هل يمكن أن يؤدي استمرار الصراع الإيراني ـ الخليجي لعقود إلى عرقلة قيام منظومة اقتصادية إقليمية مستقرة وقادرة على إدارة طرق الطاقة بصورة مستقلة؟
فكلما ظلت المنطقة منشغلة بالصراعات الطائفية والقومية، أصبح التعاون الاقتصادي الإقليمي أكثر صعوبة.
وهذه ليست مشكلة إيران وحدها.
إنها مشكلة المنطقة بأكملها.
ومن يدفع الثمن؟
الشعوب.
فعندما تُستغل الانقسامات الدينية والقومية والطائفية، تتحول الهوية من مصدر للتنوع إلى أداة للصراع.
وعندما يظل المواطن منشغلًا بالسؤال:
شيعي أم سني؟
عربي أم كردي؟
هذا البلد معنا أم ضدنا؟
فقد لا ينتبه إلى السؤال الأكبر:
من يملك النفط؟ ومن يملك طرق تصديره؟ ومن يملك الموانئ؟ ومن يبيع السلاح؟ ومن يحدد أسعار الطاقة؟ ومن يمول إعادة الإعمار؟
وهنا تصبح حرب المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من الصراع أيضًا.
ليس بالضرورة من خلال «غسيل أدمغة» مباشر، بل عبر تضخيم الكراهية والانقسامات، وإعادة إنتاج روايات تدفع الشعوب إلى الاقتتال حول هويتها، بينما تتحرك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية فوق رؤوس الجميع.
وماذا عن مصر؟
إذا تراجعت حركة الطاقة والتجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس لفترات طويلة، وظهرت طرق بديلة عبر خطوط أنابيب أو موانئ البحر المتوسط، فقد تتعرض مصر لضغوط اقتصادية وجيوسياسية أكبر.
فأهمية مصر لا تنبع من حجمها فقط.
بل إن موقعها الجغرافي يمثل أحد أهم مصادر قوتها.
وتُعد قناة السويس إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية.
ولهذا، فإن أي تغير طويل الأمد في طرق التجارة والطاقة يمكن أن يعيد تشكيل وزن مصر في المنطقة.
وماذا عن إسرائيل؟
في المقابل، قد تستفيد إسرائيل من شرق أوسط أكثر تفككًا إذا حافظت على تفوقها العسكري والتكنولوجي، وطورت علاقاتها الاقتصادية والأمنية، وأصبحت جزءًا من شبكات الطاقة والتجارة الجديدة في شرق المتوسط.
وهنا قد نجد أنفسنا، بعد عقد أو عقدين، أمام منطقة مختلفة:
سوريا تحاول استعادة دورها الجغرافي والاقتصادي.
لبنان يحاول استعادة دوره التجاري والبحري.
العراق يبحث عن منفذ مستقر لنفطه.
الخليج ينفق أموالًا ضخمة على الأمن والسلاح.
إيران تبقى محاصرة بصراعاتها الإقليمية.
مصر تحاول حماية أهمية قناة السويس.
أوروبا تبحث عن الطاقة.
روسيا تحاول كسر عزلتها.
الصين تبحث عن طريق مستقل للطاقة.
وإسرائيل تحاول الحفاظ على تفوقها.
وفي خضم هذه المصالح المتشابكة، تقف الولايات المتحدة.
وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه الأهم:
هل تخسر الولايات المتحدة فعلًا من استمرار هذه الحروب؟
قد يقول ضيف في أي برنامج:
> «أمريكا تخسر من إغلاق الخليج، وتخسر من استمرار حرب أوكرانيا، ولذلك من مصلحتها إنهاء الحروب.»
لكن يمكن طرح سؤال آخر:
هل نقيس الخسارة الأمريكية على مستوى الحرب نفسها، أم على مستوى النظام الاقتصادي والسياسي الذي قد ينتج عنها؟
إذا أدت الحروب إلى:
- زيادة اعتماد أوروبا على الطاقة الأمريكية،
- زيادة مبيعات السلاح الأمريكي،
- إضعاف المنافس الروسي،
- زيادة الحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية في الخليج،
- منع قيام منظومة إقليمية مستقلة للطاقة،
- وزيادة اعتماد الحلفاء على واشنطن،
فقد تكون الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن «أمريكا تخسر».
لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تريد بالضرورة كل حرب، أو أنها تتحكم في كل حدث.
فالقوى الكبرى كثيرًا ما تستفيد من نتائج أزمات لم تصنعها بالكامل.
وهذه نقطة مختلفة تمامًا.
لذلك، ربما يكون «مشروع الشرق الأوسط الجديد» الحقيقي مختلفًا عما نتصوره.
قد لا يكون مشروعًا مكتوبًا في وثيقة واحدة.
بل قد يكون نتيجة تراكمية:
حرب هنا… عقوبات هناك… صراع طائفي… أزمة طاقة… طريق نفطي يتوقف… طريق جديد يظهر… دولة تضعف… دولة أخرى تكتسب أهمية أكبر… وأوروبا تصبح أكثر اعتمادًا على الخارج.
وفي النهاية، تتغير خريطة القوة من دون أن يعلن أحد أنه رسمها.
وهنا يجب ألا نسأل فقط: من انتصر في الحرب؟
بل:
من سيملك النفط؟
من سيملك طرق النفط؟
من سيحمي الموانئ؟
من سيبيع السلاح؟
من سيمول إعادة الإعمار؟
ومن ستكون أوروبا مضطرة إلى الاعتماد عليه؟
إذا كانت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة تتجه في النهاية نحو قوة واحدة، فمن حقنا أن نسأل:
هل نحن أمام حروب منفصلة… أم أمام إعادة تشكيل تدريجية للشرق الأوسط والنظام الدولي؟
هذه هي وجهة النظر التي أطرحها للنقاش، وليست حكمًا نهائيًا على ما يحدث.