16/05/2020
كورونا كانت الفرصة الذهبية
بغداد - علي الكنعاني
كل حركة سياسية لها وقت "خفوت"، و الأقوى هو من يستطيع إعادة التوهج بصورة سريعة و في اللحظة المناسبة، و من يعرف وقت الانسحاب المناسب حتى لا تتحول أدوات القوة إلى لا شيء، كورونا كانت فرصتنا الصحيحة كمحتجين للانسحاب.
كنت قد دعوت الأصدقاء -ممن لهم الرأي في ذلك- لإنهاء الاعتصام في مارس الماضي، لحظة مناسبة بعد ان وصل عدد المحتجين إلى اقل ما يمكن منذ مطلع اكتوبر.
و كذلك من الناحية الوطنية: كان يمكن ان يكون هذا الفعل "للمصلحة الوطنية العليا" ليعاد بعد انتهاء الأزمة تلك تشكيل وجه اخر للاحتجاج، مع وقت كافي لنقاش الفضاء العام بعيدا عن سخافات "إسقاط النظام" فالنظام ديموقراطي فيه شوائب ممكنة التصفية.
و لعلنا لا ننسى الهجمة منقطة النظير، من قبل جهات سياسية معارضة للمحتجين و متهمة بقتل المحتجين، لعدم التزامها بحظر التجوال الصحي و قواعد التباعد الاجتماعي خصوصا في العاشر من الشهر الجاري أو ما يعرف بمهلة الكوت.
و خطأ آخر وقع فيه المحتجين، رفض المشاركة في حكومة الكاظمي ذنب لا يغتفر.
فبعد ترشيح الدكتور كاظم السهلاني لوزارة العمل، بدأت حملة جديدة لتشويه سمعته، حملة يقودها محتجون ضد محتج منهم، أنتجت في نهاية الأمر تنحية السهلاني عن حقيبة العمل، حقيبة كانت ستشكل نقلة كبيرة و قد تكون اكبر نجاح سياسي لثورة تشرين بعد استبدال الحكومة.
لكن ما الفائدة من الحديث مرة أخرى عن نفس الموضوع؟
تذكِرة و مدخل.
بعد تشكيل الحكومة الجديدة بطريقة جديدة لم يسبق لها منذ ٢٠٠٣ -ذكرت ذلك في وقت سابق و وضعته في عدد من النقاط- كان أصدقائي المعتصمين أمام مفترق طرق، و اختاروا -بمعظمهم- الطريق الخاطئ في معاداة الحكومة الجديدة في تصرف سياسي غريب، فنحن مفلسون من أدوات الضغط، وفقدنا الزخم الحقيقي لأكتوبر و ما تلاه حتى حادثة المطار.
الشيء الصحيح لفعله الآن هو تقديم شروط للانسحاب و جدولة العودة في حال عدم تحقيقها، جدولة تعتمد على توقيت انتهاء الجائحة.
و بالتأكيد فتلك الشروط لها محددات، أهمها إمكانية التحقيق خلال مدة زمنية قصيرة، فالجائحة قاتلة، و إستمرار الجلوس في الساحات بلا تأثير سياسي قاتل ايضاً لأوراق المحتجين.
فلا يمكن معادة حكومة لم تكمل اسبوعها الأول، و لم تعقد سوى جلستين لمجلس الوزراء.
و في الوقت ذاته قامت حكومة الكاظمي بخطوة واضحة و جدية لتحقيق العدالة لقتلة المحتجين، فقد قامت فجر الإثنين المنصرم بمداهمة و اعتقال حماية مقر مليشيا (ثأر الله) و ايداعهم السجن على خلفية قتلهم لمحتجين اثنين ليل الاحد.
و اعتقد ان هناك بعض القرارات التي يجب ان تقوم بها الحكومة لإرضاء المحتجين و المعتصمين و إقناعهم بالعودة إلى منازلهم، أهمها تنفيذ ما وعدت به الحكومة من إطلاق سراح المحتجين المعتقلين لديها، و تشكيل اللجنة التحقيقية و ربما منع سفر بعض المسؤولين السابقين لحين انتهاء التحقيق و على رأسهم رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي.
و كذلك تنفيذ الأمر الديواني ٢٧٣ لسنة ٢٠١٩ القاضي بإخراج مقرات الحشد الشعبي و الجيش العراقي خارج المدن، خصوصا بعد قتل المئات من المحتجين الغاضبين من قبل أفراد متمركزين داخل هذه المقرات.
و لربما استبدال بعض المحافظين و القادة الأمنيين في بغداد و البصرة و الناصرية، قد يكون له الأثر البالغ في نفوس المحتجين.
قد تكون الفرصة الذهبية قد ولّت، لكن هذه فرصة فضية جيدة، و البرونزية سيئة حتى في الماراثون.