01/08/2026
أراد عمر كسر أسنانه... لكن النبي ﷺ قال: "دعه"... وبعد سنوات عرف الجميع الحكمة!
في مكة، حيث كانت الكلمة تُشعل الحروب كما تفعل السيوف، عاش رجلٌ عُرف بأنه من أفصح قريش وأبلغ خطبائها. كان اسمه **سهيل بن عمرو**، رجلاً إذا وقف يخطب سكتت له المجالس، وإذا تكلم أمال القلوب ببلاغته وقوة بيانه.
لكن تلك البلاغة لم تكن في بداية أمره نصرةً للحق، بل كانت سلاحًا يوجهه ضد رسول الله ﷺ. كان يقف في أندية قريش يحرض على المسلمين، ويؤجج نار العداوة، ويستخدم لسانه كما يستخدم المحارب سيفه.
ثم جاء يوم بدر...
انتهت المعركة بانتصار المسلمين، وسقط كثير من صناديد قريش بين قتيل وأسير، وكان سهيل بن عمرو أحد الأسرى. وبينما كان المسلمون ينظرون إلى من آذاهم سنوات طويلة، وقع بصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على سهيل، فتذكر لسانه الذي طالما حارب به الإسلام، فقال للنبي ﷺ:
> «يا رسول الله، دعني أنزع ثنيتيه حتى لا يقوم خطيبًا عليك أبدًا.»
كان اقتراحًا نابعًا من الغيرة على الدين، لكن النبي ﷺ نظر إلى سهيل نظرةً تجاوزت الحاضر إلى المستقبل، ثم قال بهدوء الواثق:
> **«دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقامًا تحمده عليه.»**
كانت كلمات قليلة... لكنها كانت نبوءة.
مرت الأعوام، وتبدلت الأحوال.
وجاء يوم فتح مكة، فسقطت الأصنام، وانكسرت شوكة الشرك، ودخل سهيل بن عمرو في الإسلام. لم يكن إسلامه شكليًا ولا خوفًا من قوة المسلمين، بل كان تحولًا صادقًا غيّر حياته كلها.
أصبح الرجل الذي طالما استخدم لسانه لمحاربة الإسلام، يبلله بذكر الله وتلاوة القرآن.
أقبل على الصلاة والصيام والصدقة، ولازم حلقات العلم، وكان يجلس إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه يتعلم القرآن، فإذا سمع آيات الله بكى حتى يتغير لون وجهه من شدة الخشوع، وكأنه يحاول أن يمحو بدموعه سنوات العداء التي مضت.
لكن أعظم موقف في حياته لم يكن يوم أسلم...
بل جاء بعد وفاة رسول الله ﷺ.
فقد ارتجت الجزيرة العربية، وارتدت قبائل كثيرة، وسرى الخوف حتى إلى مكة. اختفى واليها عتاب بن أسيد رضي الله عنه، وبدأت النفوس تضطرب، وأصبح الناس يتساءلون: ماذا سيحدث بعد رحيل النبي ﷺ؟
في تلك اللحظة الحرجة، تقدم سهيل بن عمرو.
وقف أمام أهل مكة، وهو الرجل الذي عرفوا قوة صوته منذ الجاهلية، لكنهم هذه المرة سمعوا صوتًا مختلفًا... صوت الإيمان.
قال فيهم:
> **«يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم، وأول من ارتد! والله إن هذا الدين ليمتد امتداد الشمس والقمر، من طلوعهما إلى غروبهما.»**
ثم أخذ يذكرهم بفضل الإسلام، وبوعد الله، وبأن موت النبي ﷺ لا يعني موت الرسالة.
دخلت كلماته القلوب كما لم تدخلها من قبل.
ثبت المترددون، وسكنت النفوس، وعاد عتاب بن أسيد إلى عمله، وبقيت مكة ثابتة على الإسلام، فلم يرتد أهلها، وكأن الله حقق في تلك اللحظة وعد نبيه ﷺ:
**«فعسى أن يقوم مقامًا تحمده عليه.»**
لقد قام... وأحسن القيام.
ولم يتوقف عطاؤه عند ذلك.
خرج بعد وفاة النبي ﷺ مجاهدًا إلى الشام مع أبنائه وأهله، وقدم في سبيل الله أعظم التضحيات، حتى استشهد عدد من أبنائه في الفتوحات، ومنهم ابنه عبد الله يوم اليمامة.
ولما عزاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقول النبي ﷺ:
> «إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهل بيته.»
قال سهيل في تواضع المؤمن ورجائه:
> **«فأنا أرجو أن أكون أول من يشفع له.»**
وكان كلما تذكر مواقفه القديمة مع رسول الله ﷺ ازداد حياءً وندمًا، حتى قال:
> **«إني لأذكر مراجعتي رسول الله يوم الحديبية، وما كنت أُلِظُّ به من الباطل، فأستحيي منه، وهو في المدينة وأنا في مكة.»**
لقد كان هو كاتب صلح الحديبية، وكان قبل الإسلام من أشد المدافعين عن قريش، شهد بدرًا وأحدًا والخندق في صف المشركين، وظن أن قوة البيان ستكون دائمًا في خدمة الباطل.
لكن الله شاء أن يتحول ذلك اللسان نفسه إلى حصنٍ للإسلام.
واختلف المؤرخون في وفاته؛ فقيل إنه استشهد في اليرموك، وقيل في يوم الصُّفَّر، والأشهر أنه توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة للهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهكذا انتهت رحلة رجل بدأ حياته خطيبًا يحارب الإسلام، وختمها خطيبًا يثبت أركانه، وجاهد بنفسه وماله وأهله حتى لقي الله.
إنها قصة تذكرنا بأن القلوب بين أصابع الرحمن، وأن الإنسان قد ينتقل من أقصى الباطل إلى أعلى مراتب الحق، وأن كلمة قالها النبي ﷺ في بدر، تحققت بعد سنوات كاملة، لتصبح واحدة من أروع دلائل حكمته ونبوته:
«دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقامًا تحمده عليه.» #تاريخنا #مصر #شخصيات