14/03/2026
المقاومة العراقية بلا بيئة، ضرر المضاعف
مهدي المهنا :
على مدار عشرين عاماً، انشغلت القوى التي تصدرت مشهد "المقاومة" في العراق بتراكم السلاح والنفوذ المادي، متناسيةً القاعدة الذهبية لأي حراك تحرري بأن المقاومة بلا بيئة حاضنة هي انتحار.
واليوم، ومع تزايد قرع طبول الحرب وتصميم القوى الدولية (أمريكا وإسرائيل) على تصفية هذا الملف، نجد أن هذه الفصائل تقف عاريةً أمام العاصفة، ليس لنقص في العدة، بل لخسارتها "القلوب" التي كان ينبغي أن تسكنها.
يكمن الخلل البنيوي في المقاومة العراقية في ثقافة "تقديس الشخص" على حساب الفكرة.
حيث أن في تجارب ناجحة كاليمن ولبنان وإيران، نجد أن الارتباط هو "بالقيمة" وبالمنظومة الروحية، مما يجعل البيئة الشعبية جزءاً عضويًا من الجسد المقاوم، أما في العراق، فقد تم استبدال "العشق الإلهي" والجنبة الروحانية بتمجيد القيادات الفردية، وتحويل الولاء إلى "عصبية فئوية".
عندما يقدس الجمهور "شخصاً" بدلاً من "منهج"، فإن هذا الشخص بمجرد أن يضعف أو يساوم، تنهار المنظومة خلفه، وهذا ما جعل هذه الحركات هشة أخلاقياً، حيث لم تستثمر في بناء وعي جمعي، بل في بناء جيوش من "الأتباع" لا "المريدين".
ولمدة عقدين، لم تُقدم هذه الفصائل لبيئتها (التي هي أصلاً بيئة معدمة ومخذولة) سوى لغة التخوين والتخويف، وبدلاً من أن تكون هذه المناطق "قلاعاً حصينة" تُبنى بالتنمية والعدالة والرحمة الروحية، أصبحت ساحات نفوذ تُحكم بالترهيب والاعتياش على معاناة الناس.
لقد جففت هذه السياسات عاطفة العراقيين الجنوبيين، واليوم عندما تحين ساعة الصفر، لن تجد هذه القيادات من يذود عنها، فالبيئة التي تُحكم بالخوف، تنقلب عند أول بادرة لضعف الحاكم، ومع انشغال إيران بملفاتها وتراجع الدعم الفني والتسليحي المتوقع، سيجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة أقصى المكروهات بلا غطاء شعبي يحميهم.
المفارقة المضحكة المبكية، هي أن هؤلاء القادة الذين صدعوا الرؤوس بشعارات المقاومة المطلقة، هم أنفسهم من سيسلمون أمرهم لإرادة أمريكا وإسرائيل عند اشتداد الخناق، وسيرفعون شعار "الوطن أولاً" كذريعة للتخلي عن المبادئ، إنها كلمة حق أُريد بها باطل، فالحفاظ على الوطن يبدأ بحفظ كرامة المواطن وبناء روحه، لا بتسليم مقدراته للمحتل لإنقاذ رقاب القيادات المترفهة.
فوالله إن القلب لينفطر على تلك الثلة من الشباب المؤمن الصادق، الذي يمتلك "روح المقاومة" فعلاً، ولكنه سيقضي نحبه تحت قيادة فاسدة وسطحية، العراق مليء بالمقاومين الأبطال، لكنه يعاني من فقر مدقع في القادة الحقيقيين، القائد الذي لا يملك "سجادة صلاة" يخشع فيها، ولا "قلب رحيم" يحب به فقراء شعبه، لا يمكنه أن يقود نصراً.
إن المقاومة التي تسرق وتنهب وتخوّن بيئتها، هي مقاومة "متسافلة" لن تجني إلا الخذلان. الضرر سيكون مضاعفاً، لأنه سيحرق معه تضحيات الشباب الصادق، ويشوه صورة التدين الروحي لصالح واقع مادي بشع، إنها لحظة الحقيقة التي ستكشف أن السلاح بلا "روح" وبلا "حب الناس" ليس سوى عبء سيُلقى به في أول هاوية.