10/10/2024
غلوريا.. الإفريقية حاملة سلّة همومها..
قصّتي مع "لوحة" طبيعية مُذهلة
**
حين عرفتُ "غلوريا" (ومن ذا في "المْدينة" لم يكن يعرف غلوريا!؟..) تلك الحسناء الإفريقية القادمة، من بلد ما جنوب الصّحراء، إلى "كازا" باحثة، مثلي، عن رغيف خبز بكرامة، أنا القادم إلى هذه المدينة من الجنوب أيضا، لكنْ من جنوب البلد، ألهمتني قصّة كفاحها وأثارت دهشتي قدرتها العجيبة على التحمّل، تحمّل أثقال سلعتها وأثقال اغترابها عن بلدها وعن أهلها، وفوقها "أثقال" المضايقات والتنمّر والعنصرية وهلمّ أمراضا مجتمعية واجتماعية لا أحد يُثيرها أو يُلمّح. وبمرور الوقت، صارت واحدة من "بطلات" عوالمي وسردياتي (أتذكّر أنني كتبتُ عنها يوما، مع سيّدتين أخرَيَيْن ممّن عرفتُ في الدار البيضاء، بعض السّطور بمناسبة "8 مارس"، في مقال رأي نُشر لس في صحيفة ورقية من المنابر التي اشتغلتُ فيها، ذات صحافة)..
وقد ظللت، وتحديدا منذ أقمتُ بدرب بوطويل، أصادفها في طريقي، صعودا نحو كازا التي خارج السّور أو نزولا إليها.. حاملة فوق رأسها بعض سلعتها أو وهي تدفع أمامها عربتها المجرورة المُحمّلة بعشرات الكيلوغرامات، يجد رجلان أو ثلاثة ممّن قد تطلب مساعدتهم، خصوصا في الصّباح، صعوبة في إخراجها من المخزن المحاذي لإسفلت الشّارع.. والحقيقة أنني ظللتُ منذ رأيتُ غلوريا أول مرّة أحتفظ بانطباع جيد عنها حتى وأنا بعدُ لا أعرفها أو تعرفني. فقط كنا أحيانا نتقاطع في الدّرب، غريبَيْن، "أحدهنا مغترب في بلده"، كما كنتُ أقول في نفسي كلما قابلتُك لو تدرين يا غلوريا، قبل أن أتعرّفها شخصيا وأتعامل معها وأساعدها مرارا في دفع عربتها أو في حمل بعض سلعتها وتخزينها في المحلّ أو إخراجها وتحميلها فوق عربتها أو ببساطة فوق رأسها.، إذ خصّتها مالكة المحلّ وزوجها (صديقي) بهذا الامتياز دون غيرها من الباعة الجائلين الذين يعج
بهم الحي والبائعات.. ودارت السّنوات بعد ذلك دورتها التي أبعدتني بضع سنوات عن "كازا"، اللي مْشي ما جا...
ثمّ حدث، قبل شهور، أن عدتُ إلى المدينة (وهل عبثا يقولون "كازا اللي مْشي ما جا"؟!).. وحدث أن التقطتُ بعض الصّور المْعلومة، وكانت أولاها في "الجيش الملكي"، غير بعيد عن السّور، عن كازا الأخرى، عن كازا الخلفية حيث جاورتُ غلوريا سنوات عديدة.. وفي وقت لاحق، في تلك الليلة، اكتشفتُ أنني قد صوّرت "إفريقية سمراء تحمل سلّة ما فوق رأسها".. وفورا، فكّرت في غلوريا.. تراءت لي في مشتيها الوئيدة الواثقة حاملة قسما من أثقالها فوق رأسها في طريقها إلى السّويقة الشّعبية أو عائدة منها.. يا إلهي! إنها هي، "بشحمها ولحمها"، لا بل هو "طيفها" الهلامي وقد تجسّد أمامي في مشهد طبيعي لا يُصدَّق. وعلى الفور وجدتُني أحسم قراري: هذه اللوحة/ الهديّةُ القيّمة لي من أشجار الببضاء الشّامخات تُجسّد "أسطورة" غلوريا الحيّة ولا يمكن أن تحمل غيرَ اسمها.. "الإفريقية حاملة سلّة همومها" (انظر/ي "هيأة" النخلة داخل الإطار الأصفر -أقصى يسار أسفل الصّورة الرّئيسية).. هكذا سمّيتُ اللوحة، تميّنا بطيف غلوريا الذي تراءى لي في المشهد الخارق فور نقلي الصّورَ من هاتفي إلى ذاكرة الحاسوب والشّروع في عرض أولاها على الشّاسة أمامي، في ذلك الوقت المُتأخّر من شتاء كازابلانكا.. لأجل غلوريا، إذن، تكرّمتْ علي هذه الأشجار والنخلات بلوحتها المُدهشة هذه، التي كانت أول "مشهد" تُوثّقه عدستي خلال رحلتي المهنية الأخيرة إلى المدينة -الغول.. إلى مدينة الغيلان والملائكة أيضا والملكات والأميرات والحسناوات، اللواتي تجسّدن أمام عينَيَ في مشاهدَ من عوالم الطبيعة الملغزة المُحيّرة وهي ترسم قصص المستحيل، في لوحات منّ بها علي المنّان (بالعشرات) منذ 2017 حتى اللحظة، وتكريما لذكرى غلوريا سمّيتُها "الإفريقية حاملة سلّة همومها".
لكنْ في الأيام التالية لاكتشافي هذا المشهدَ الخرافي لِطَيْف غلوريا، سكنني هاجس "خنّاس" ما فتئ يُوسوس لي ويُوشوش: لمَ لا تُجرّب الأمر؟ سيكون ذلك استثنائيا، شيئا خارقا: أن تجمع "الشّخصيتين" في إطار واحد، في لوحة واحدة!.. ستكون لوحة فريدة لم يُر مثلها من قبلُ ولا سيُرى في قابل الأزمان... ووجدتُني تحت رحمة الهواجس والحسابات والمُخطّطات.. كيف أنفّذ ذلك حتى لو قرّرت؟ كيف "أضبطها" في الوضع الذي رأيتُها فيه أول مرّة ومرّات بعد ذلك، رافعة شيئا ما فوق رأسها، وأوثّقها في صورة، حتى تكتمل أركان "اللوحة الخالدة" التي يهجس لي بها -كلَّ حين- ذلك "الخنّاس" الذي سكنني ويُوسوس ويُوشوش؟...
ثمّ حدث، ذاتَ يوم، ما لم يكن في الحسبان.. كنا ثلاثة في المحلّ العتيق، "أطلال" مطعم شعبي سابق، أواني طبخ "مُكركَبٍ" بعضُها فوق بعض في زوايا المكان وفي معظم أركانه. وقد صار الآن، بعدما هجرته "الشّريفة" مُجرّد مكان خالٍ نُمضي فيه مساءاتنا مُجتمعين حول طاولة خشبية صغيرة فوقها بقايا طعام أو شراب.. كنا خائضين في موضوع الطيور، أو بالأحرى خائضَيْن، فأنا أكون مُجرّد مستمع وهما يخوضان في موضوعهما الأثير.. وفجأة، تناهى صوتها إلى مسمعي، برنّة معهودة:
-سلامُ عليكم.. "كانْ" عبد العاطي؟...
كانت تلك عادتَها، تُلقي السّلام وتسأل عن صاحب المحلّ وتظلّ واقفة مكانها إلى أن يرفع صديقنا عبد العاطي قطعة القماش الخضراء التي تحجب نظرات الفضوليين من عابري درب بوطويل عنا، أو يخرج إليها ليستطلع ما تريد، أو أجيبَها أو غيري ممّن قد يكونون في "العوّامة" في غيابه.. فور سماعي صوتها، في ذلك اليوم، استبدّ بي "الخنّاس" الذي سكنني منذ التقطتُ صورة "الإفريقية حاملة سلّة همومها"، منذ أربعة شهور تقريبا: هي فرصتك إذن!.. تحرّكتُ في مجلسي وادّعيتُ أنني سأخرج لحظة إلى الشّارع لأشمّ هواء نقيا، لأجدني قبالتها، بجلباب "مغربي" قديم ينسدل على جسدها، الذي لم ينل من عزيمته وقوته مرور كلّ هذه السنوات. خاض معها الصّديقان في مواضيع البرد والعمل والغربة... أمّا أنا فكنتُ أكتفي من حين إلى حين بتحريك رأسي لهذا أو ذاك أو لها، وأنا أنتظر فقط اللحظة التي ستقول لنا فيها: "بْ السّلامة" بلثغتها الإفريقية المحبوبة إيذانا بانصرافها إلى عملها، عند "البّوسط" (مركز شرطة) الشّهير في الساحة القريبة. ثمّ قالتها أخيرا. وطبعا، كنتُ قد أعددتُ العُدّة للحظة انصرافها: أخرجت هاتفي وأشعلتُه وبحثت في شاشته عن زر التصوير.. وإن هي إلا خطوات قليلة خطتْها "غلوريا" مُبتعدة عنا حتى كنتُ قد ضغطتُ على الزرّ ثلاث ضغطات متتالية أو أربع، دون أن أجعل أيّا من صديقَي ينتبه إلى ما كنتُ أفعل... كان قلبي يخفق بشدّة وأنا أصورها من الخلف دون علمها، غفر الله لي...
وفي تلك الليلة، وبعدما اختليتُ إلى "شياطين" إبداعي وجنوني وحماقاتي الصّغيرة، حمّلتُ الصور التي التقطتُ "خلسةً" لهذه المكافحة العظيمة على جهاز الحاسوب وشرعتُ في أول أعمال "التركيب"... نسختُ أنسبَ الصور من الثلاث أو الأربع التي نجحتُ في "القبض عليها" لغلوريا بجلبابها المُنقّط البالي الذي لفحته شمس كازا وألصقتها في أعلى يمين "لوحة" الإفريقية حاملة سلّو همومها"، لتكتمل أخيرا، وبمحض الصّدفة التي قادت غلوريا إلى مجلسنا ذاك، اللوحة التي لطالما تمنّيتُ أن تكتمل: "غلوري" و"الإفريقية حاملة سلة همومها"...
هذه (باختصار) قصّتي مع هذه اللوحة السّريالية والواقعية في آن، والتي تبقى واحدة من أروع ما حدث لي فر رحلتي الأخيرة إلى كازا، التي خصّتني أشجارها الشّامخات بـ"هدايا" ثمينة، "لوحات" حيّة للطبيعة وهي في حالة "إنسانية"، إذ نجحتُ في التقاط العديد من هذه "البورتريهات" العجيبة، منها (على سبيل المثال لا الحصر) "مّي جْدّة الحُبوس" "عروس النخيل"، "نيفرتيتي بُوسمارة"، "صرخة مُونك البيضاوي"، "الوْجه المْشروك" وغيرها بالعشرات... لكنّ لوحة "الإفريقية حاملة سلّة همومها" ستبقى واحدة من أروعها، ما لم تكن الأروع على الإطلاق في هذه التشكيلة المُنوّعة، التي يُسعدني أن أتقاسمها معكم في هذا الفضاء الأزرق وفي غيره من منصّات التواصل، في إطار هذا "المشروع" الفنّي والفتي، الذي وجدتُني خائضا غماره منذ "كنز" اللوحات الذي تكرّكت علي به هذه المدينة الأسطورية العجيبة أشجارها والأسطورية، كازا، اللي مْشى ما جا...
~~
ملحوظة: كلّ اللوحات التي قد ترون في هذه الصّفحة الفيسبوكية أو في غيرها من صفحاتنا في العالم الافتراضي معروضة للبيع عبر الإنترنت أو في عين المكان* (ساحة القزادرية -باب الملاح مراكش هاتف واتساب: 06 14 32 44 16)