16/01/2026
📌كيف تحولت البذور إلى أداة في الحروب و الصراعات......
محمد إسماعي.. ✍️
هذا المقال هو الجزء الثالث من سلسلة مقالات حول البذور والسيادة الزراعية في دول الجنوب. في المقال الأول، كشفنا كيف عبثت الشركات الغربية بأنظمة البذور، ودمرت السيادة الزراعية. في المقال الثاني، طرحنا حلولاً جذرية وشعبية لحماية الأنظمة الزراعية من الاستعمار الحديث. إذا لم تقرأهما بعد، أنصحك بشدة أن تبدأ بهما. أما اليوم، فنفتح ملفاً أكثر ظلاماً: كيف تحولت البذور إلى سلاح؟ كيف تم استخدامها كأداة من أدوات الحرب، لا كوسيلة للحياة؟ كيف أصبحت الحقول ساحات معركة، والمزارع ضحايا لنزاعات عالمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
العراق نموذجاً
كما ذكرت فى المقال الاول، عندما غزت الولايات المتحدة العراق في 2003، لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية، بل استهدفت حتى بذور المزارعين. أحد أكثر القوانين الشائنة التي فرضها الاحتلال كان الأمر 81، الذي أعاد هيكلة النظام الزراعي العراقي لصالح الشركات الأمريكية. هذا القانون منع الفلاحين من حفظ بذورهم التقليدية، وفرض عليهم شراء البذور المُسجلة والمحمية ببراءات اختراع من شركات مثل مونسانتو. تخيل هذا المشهد: فلاح في الموصل أو كربلاء، ورث بذور القمح من أجداده، أصبح مجرماً إن زرعها دون إذن من شركة أمريكية. هذه ليست مبالغة. هذا استعمار ناعم، يستخدم القوانين لا الدبابات.
سوريا: البذور تحت الحصار
في سوريا التى عملت بها لثلاثة سنوات، لم تكن الحرب مجرد قصف ودمار. كانت أيضاً حصاراً زراعياً. القصف استهدف بنوك البذور المحلية، والمساعدات الزراعية التي دخلت عبر منظمات الأمم المتحدة كانت مشروطة. البذور التي تم توزيعها كانت هجينة، غير قابلة لإعادة الزراعة، مما يعني أن الفلاحين أصبحوا مرتبطين بالمساعدات إلى الأبد.
حتى مركز بحوث إيكاردا ICARDA الذي كان يحتوي على آلاف عينات البذور السورية، تم نقله إلى لبنان بعد الحرب. البذور صارت لاجئة، تماماً كأصحابها.
البذور والمساعدات- شراكة مشبوهة
الشركات الغربية، بدعم من الحكومات، روّجت للبذور المعدلة وراثياً كحل سحري للجوع. لكن الحقيقة أن هذه البذور صممت لتكون أداة سيطرة. لا يمكن للفلاح أن يعيد زراعتها. تحتاج لأسمدة ومبيدات خاصة. باختصار: تجعل الفلاح تابعاً بالكامل للشركة.
في السياقات المتوترة أو الهشة، تصبح هذه السيطرة خطيرة. فمثلاً، إذا قررت دولة مانحة إيقاف دعمها، فإن المزارعين سيجدون أنفسهم فجأة دون بذور، ودون غذاء.
من أكبر الجرائم الأخلاقية أن تُستخدم المساعدات الغذائية لنشر أنواع بذور معينة، وتدمير الأنواع المحلية. نرى هذا في كل مكان: من السودان إلى اليمن، ومن أفغانستان إلى غزة. تدخل منظمة او شركة باسم "دعم الزراعة"، توزع بذور هجينة، دون أي دعم لإعادة إنتاجها أو تخزينها.هذه ليست مساعدة. هذه مصيدة.
يجب أن نرفع صوتنا عالياً: الزراعة ليست ساحة صراع. البذور ليست ذخيرة. الحقول ليست ميادين قتال.
نحتاج إلى قوانين دولية تُجرّم استخدام البذور كسلاح سياسي. نحتاج إلى حركات شعبية تدافع عن المزارعين وحقهم في اختيار بذورهم. نحتاج إلى ميثاق جديد يضع الزراعة خارج معادلات الحرب.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تحكّم اقتصادي، بل احتلال زراعي. من يُجبر الفلاحين على زراعة ما لا يريدون، هو مثل من يُجبرهم على رفع علم لا يعترف بهم....