20/09/2026
🛑
معركة الكرامة: التحدي والصمود
💢 #بقلم: رائد (م) محمد سعيد محمد محمود
#كسلا - الهدهد
وَلَيسَ يُجَلّي الكَربَ رَأيٌ مُسَدَّدٌ إِذا هُوَ لَم يُؤنَس بِسيفٍ مُهَنَّدِ
فَمَرَّ مُطيعاً لِلعَوالي مُعَوَّداً مِنَ الخَوفِ وَالإِحجامِ ما لَم يُعَوَّدِ
وَكانَ هُوَ الجَلدَ القُوى فَسَلَبتَهُ بِحُسنِ الجِلادِ المَحضِ حُسنَ التَجَلُّدِ
بهذه الأبيات نبدأ الحديث عن معركة الكرامة في السودان، فهي لم تكن مجرد صراع على السلطة، وإنما كانت امتحاناً للوجود نفسه، وبرهاناً على أن الرأي وحده لا يكفي لجلاء الكرب إذا لم يؤنس بسيف مهند، وأن الإرادة قادرة على أن تسلب الخصم قوته مهما بلغ من كثرة.
معركة الكرامة هي التسمية التي أطلقها السودانيون على الصراع المسلح الذي اندلع في الخامس عشر من أبريل عام ألفين وثلاثة وعشرين بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع الموازية التي كانت تعمل خارج إطار المؤسسة العسكرية الوطنية الموحدة. وقد سميت بهذا الإسم لأنها في نظر الغالبية من أبناء الشعب لم تكن مجرد معركة على السلطة أو النفوذ وإنما كانت معركة وجود للحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها وكرامة المواطن وهيبته. وقد جاءت هذه الحرب بعد سنوات من التوتر السياسي والأمني والإقتصادي وتراكم ملف دمج القوات في جيش واحد وتعدد مراكز القرار العسكري مما أدى إلى انفجار الأوضاع وتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة عسكرية شاملة امتدت من العاصمة الخرطوم إلى عدد من الولايات. ومنذ اللحظة الأولى وجد المواطن السوداني نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنهار الدولة ومؤسساتها وتسود الفوضى، وإما أن يصمد الجيش الوطني مدعوما بإرادة شعبية واسعة من أجل إستعادة الأمن والحفاظ على وحدة البلاد.
التمهيد لهذه الحرب كان تراكما لسنوات من الاختلالات في بنية الدولة السودانية. فمنذ عقود والبلاد تعيش حالة من تعدد المراكز العسكرية والأمنية التي نشأت تحت عناوين مختلفة لمواجهة تمردات وحروب أهلية في أطراف السودان. وقد أدى ذلك إلى ظهور قوة عسكرية كبيرة تمتعت بهيكل قيادي مستقل ومصادر تمويل خاصة ونفوذ إقتصادي وسياسي واسع يعمل بمعزل عن الجيش الوطني ليس ذلك فحسب بل كان لهم علاقات دولية واسعة النطاق . وفي السنوات التي سبقت الحرب تصاعد التوتر حول ملف الدمج في مؤسسة عسكرية واحدة تحت قيادة موحدة ووفق جدول زمني محدد، إضافة إلى ملفات الإصلاح الأمني والعسكري. وقد تحولت هذه الملفات الفنية إلى خلاف سياسي حاد انعكس على الشارع وعلى المؤسسات. وعلى المستوى الإقتصادي كانت البلاد تعاني من أزمات معيشية خانقة وتضخم وندرة في الوقود والدواء مما جعل الشارع مرهقا ومهيأ لأي شرارة. وعلى المستوى الإقليمي والدولي كانت هناك مصالح متضاربة حول مستقبل السودان وموقعه الجيوسياسي وثرواته وممراته.
وجاء صباح الخامس عشر من أبريل ليكون نقطة التحول الكبرى. فقد اشتعلت شرارة المواجهات في العاصمة الخرطوم وسرعان ما إنتشرت إلى مدن أخرى. كان المشهد الأول عبارة عن اشتباكات في محيط مقرات عسكرية وحيوية ثم تحولت إلى معارك شوارع استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة. وبدأت موجات النزوح الكبيرة من الأحياء المتأثرة إلى ولايات أكثر أمنا أو إلى خارج البلاد. والنتيجة كانت إنهيار أي حديث عن هدنة أو توافق وولادة حرب شاملة.
في الأشهر الأولى من الحرب بدا المشهد وكأن الجيش الوطني في وضعية الدفاع ورد الفعل. فهو يحاول حماية مقراته وتأمين مرافقه الحيوية وصد هجمات واسعة اعتمدت على عنصر المباغتة والإنتشار السريع والأعداد الكبيرة. واستخدمت فيها تكتيكات حرب المدن والتسلل والتموضع داخل الأحياء السكنية. وقد صاحبت ذلك خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات ودفع المدنيون الثمن الأكبر من القتل والتشريد والنهب وتدمير البنى التحتية. ولكن مع مرور الوقت بدأت تظهر ملامح تحول مهم في إدارة المعركة. فبدأت عملية إعادة ترتيب الصفوف وتوحيد غرف العمليات وتفعيل التنسيق بين مختلف الوحدات. وتم التركيز على إستخدام سلاح الجو والمدفعية لتفكيك خطوط الإمداد وتجمعات العدو قبل الوصول إلى الاشتباك المباشر. كما تم العمل على تأمين المدن الرئيسية والممرات الحيوية ثم التقدم التدريجي لاستعادة المناطق التي خرجت عن السيطرة. ونجحت هذه الإستراتيجية في فرض إيقاع جديد للمعركة وتحول الجيش من مدافع يتلقى الضربات إلى مهاجم يخطط وينفذ ويحقق تقدما ميدانيا محسوسا.
وقد ساعد على ذلك التفاف شعبي واسع حيث شعر المواطنون أن المعركة لم تعد صراعا بين قوتين عسكريتين بل أصبحت معركة وجود ودولة ومستقبل. ولم يكن هذا الإلتفاف مجرد هتافات. رأيناه في الخبز الذي تقاسمه الجيران، وفي البيوت التي فتحت أبوابها للنازحين، وفي الشاب الذي ترك جامعته وحمل البندقية دفاعاً عن حيه. هنا تحولت المعركة من معركة مؤسسات إلى معركة بيوت. فقدموا الدعم المعنوي والمادي والمعلوماتي وساهموا في كشف التحركات وتضييق الخناق على المجموعات المسلحة.
وكانت إحدى أبرز الدروس التي كشفتها هذه الحرب أن الكثرة العددية والمال والإمكانيات وحدها لا تصنع نصرا حاسما. فالقوة التي شنت الهجوم الأول اعتمدت على تجنيد واسع من مناطق مختلفة داخل السودان وخارجه وعلى دعم لوجستي وإعلامي ومالي. ولكنها واجهت مؤسسة عسكرية ذات تاريخ طويل وعقيدة قتالية راسخة وخبرات ميدانية تراكمت عبر عقود من الحروب في مختلف أقاليم السودان. وقد أدى القتال على الأرض وبين الأهل إلى رفع الروح المعنوية وخلق دوافع قوية للصمود والتضحية. وقد ظهرت قصص بطولات فردية وجماعية تناقلها الناس وصار الصمود في المدن المحاصرة رمزاً للإرادة التي تتغلب على الحسابات المادية البحتة.
"لا تقتل البعوض وإنما جفف المستنقعات"
مقولة لعلي عزت بيجوفيتش تلخص لنا الدرس الأعمق من هذه الحرب.
فالتمرد الذي واجهناه لم يكن هو المرض، وإنما كان العرض. كان "البعوضة" التي خرجت من مستنقع طويل من تعدد الجيوش، ومن تجارة الحرب، ومن أطماع إقليمية حاولت أن تجعل من السودان ساحة لتصفية حساباتها. ولو اكتفينا بقتل البعوض لعاد إلينا غداً بإسم جديد ووجه جديد.
ولذلك كانت معركة الكرامة معركة تجفيف لا معركة مواجهة فقط. معركة لإنهاء ثقافة الجيوش الموازية، وبناء جيش وطني واحد، وتحقيق العدالة في الأطراف، وقطع يد التدخل الخارجي، حتى لا نترك للأجيال القادمة نفس الأسباب التي أنتجت لنا هذه الحرب. فالحروب لا تحسم في الميدان وحده، وإنما تحسم حين نعالج الجذر لا الورقة، والسبب لا النتيجة.
ولم يكن صمود السودانيين في هذه المعركة جديداً عليهم. فهذا شعب خاض معارك الكرامة من كرري إلى الموردة، ومن جبال النوبة إلى سهول البطانة. كل مرة كان يقال له "انتهيت" فينهض من جديد. فالهزيمة ليست في قاموس من تعلم أن الوطن لا يقايض.
جارَ الزمانُ علينا في تصرُّفِهِ
وأيُّ دهرٍ على الأحرارِ لم يَجُرِ
عندي من الدهرِ ما لو أنَّ أيسرَهُ
يُلقى على الفلكِ الدوّارِ لم يَدُرِ
هذا هو حالنا في هذه المعركة. لقد جار علينا الزمان بتعدد الجيوش وبتدخل الخارج وبإعلام مضلل وبحصار إقتصادي . حملنا من الهم ما لو أُلقي على أمم أخرى لما صمدت. ولكن الأحرار لا ينهارون، بل يصمدون ويجترحون من الألم عزيمة ومن الجراح طريقاً للكرامة.
ومن أخطر التداعيات التي صاحبت الحرب أن حالة الفراغ الأمني وطول الحدود وانهيار أجزاء من الإقتصاد قد وفرت بيئة مناسبة لنشاط الجماعات المسلحة والعصابات العابرة للحدود وتجار البشر والسلاح والمخدرات. وقد حاولت بعض هذه الجماعات أن تجد لها موطئ قدم في مناطق الصراع وأن تستثمر في حالة الفوضى لتحقيق مكاسب سريعة. ولكن التجربة العملية أثبتت أن السودان ليس أرضا سهلة لمثل هذه المشاريع. فالمجتمع السوداني لديه مناعة تاريخية وتجارب طويلة في التعامل مع التمرد والمرتزقة. وقد نجحت عمليات التمشيط والإستخبارات والعمل المجتمعي في تضييق الخناق على هذه العصابات وتحويل كثير من محاولات التسلل إلى كمائن محكمة. كما ساهم وعي المواطنين في الإبلاغ عن العناصر الغريبة وكشف المتسللين.
وفي سياق متصل، تشير قراءات عدد من المحللين إلى أن الأطراف الخارجية الداعمة للتمرد تسعى في المرحلة الراهنة إلى فتح جبهات جديدة في مناطق مختلفة مع دول الجوار منها إثيوبيا، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط عن جبهات دارفور وكردفان والنيل الأزرق بعد الخسائر الكبيرة التي منيت بها قوات التمرد ميدانيا. ويرى هؤلاء المحللون أن لهذه الأطراف دوراً في تعميق الأزمة الإقتصادية التي تمر بها البلاد، ليس عبر الضغوط المباشرة فحسب، بل أيضا من خلال العمل على نشر المخدرات واستهداف الشباب، في محاولة لإضعاف البنية الإجتماعية والنفسية لجيل كان له الدور الأبرز في إفشال مشاريع التغيير الديمغرافي التي استهدفت النسيج السوداني. ويؤكد هذا الواقع أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل امتدت لتشمل الإقتصاد والمجتمع والهوية.
أما عن التطلعات المستقبلية فهي مرتبطة بمسارين متوازيين: المسار الأمني والمسار التنموي والسياسي. فعلى الصعيد الأمني فإن الإستقرار يحتاج إلى وقت وإلى إدارة حكيمة تجمع بين العمل الميداني والعمل السياسي والإعلامي والإقتصادي . أما على الصعيد الوطني فلا بد من استكمال مشروع بناء جيش وطني واحد موحد وإنهاء ثقافة الجيوش الموازية إلى الأبد. كما يتطلب الأمر إصلاح المؤسسات وإعادة بناء الإقتصاد وتحقيق تنمية حقيقية في الأطراف ومعالجة قضايا العدالة والتعويضات والمصالحة المجتمعية حتى لا تترك جروحا مفتوحة. وسيظل الوعي الوطني هو الضامن الأكبر لقدرة السودانيين على رفض أي وصاية أو تدخل يمس سيادتهم وقرارهم الوطني.
ويبقى الأمل معقودا على أن تكون هذه الحرب نقطة فاصلة في تاريخ السودان. وذلك مرهون بتحقق عدة شروط أساسية: أولها استكمال بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية واحدة لا تنتمي إلا للوطن. وثانيها معالجة أسباب النزاعات التاريخية في الأطراف من خلال التنمية والعدالة وتوفير الخدمات والمشاركة السياسية الحقيقية. وثالثها تجفيف منابع التمويل الداخلي والخارجي للحركات المسلحة وتجريم الاتجار بالسلاح. ورابعها بناء مشروع وطني جامع يعطي الأمل للشباب ويغلق الباب أمام خطاب الكراهية والقبلية والمناطقية. فإذا تحققت هذه الشروط فإن تضحيات هذه الحرب يمكن أن تتحول إلى بداية لعهد جديد تقوم فيه الدولة على المواطنة والقانون.
وفي الختام لَا والَّذِي جعَلَ الكرامةَ في دمِي، مَا كنتُ ممَّن بالمذَلّةِ يقبلُ
لذلك يمكن القول أن معركة الكرامة كانت امتحانا قاسيا ومؤلما للسودان دولة وشعبا ولكنها كشفت في نفس الوقت عن مواطن القوة الكامنة في هذا الشعب وعن قدرته على التوحد في مواجهة الخطر وعن صلابة المؤسسة العسكرية حين تجد السند الشعبي الحقيقي . وقد أثبتت التجربة أن الشجاعة والإرادة والعقيدة يمكن أن تتغلب على الكثرة والمال إذا اجتمعت مع قيادة حكيمة ودعم مجتمعي صادق. والتحدي الآن هو في كيفية تحويل تضحيات الأسر إلى تأسيس جديد لدولة مستقرة قوية عادلة تحترم إنسانها وتصون كرامته. والطريق طويل ومكلف ولكن البديل هو العودة إلى دوامة الفشل والدمار. لذلك فإن الأمل معقود على وعي السودانيين وعلى قدرتهم التاريخية على النهوض من الرماد.
إلى الأجيال القادمة نقول: هذا الوطن دُفع ثمنه غالياً. فلا تفرطوا فيه بتفاهة، ولا تبيعوه بشائعة، ولا تهدموه بكراهية. ابنوه بالعلم والعمل والوحدة، حتى لا نعود لنكتب عن معركة كرامة جديدة.
الخلاصة: أحاطت بنا الهزائم، ولكن ما ولدنا لنهزم...