01/10/2026
*لا فضَّ الله فوك يا الحارث.. حين تحدث السودان بلسان الفصحى*
ابوبكر محمد ابراهيم
في مشهدٍ لافت داخل أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، جاءت كلمات مندوب السودان الحارث مفعمةً بالثقة والاعتزاز، وهو يخاطب مندوب دولة الإمارات العربية المتحدة بلغة عربية فصحى واضحة، مستحضرًا عباراتٍ ذات جذور في التراث العربي، كان من بينها:
«عليكم أن تخسؤوا، وأن تبوؤوا بشِسْعِ نعلِ كُليب».
المشهد كان أكثر لفتًا للانتباه؛ فبينما كان المندوب السوداني يتحدث العربية الفصحى مباشرةً وبعباراتٍ عربية ذات دلالات عميقة، كان المندوب الإماراتي يرتدي سماعة الترجمة لمتابعة ما يُقال.
وبعيدًا عن السماعة ذاتها، التي قد تكون جزءًا طبيعيًا من ترتيبات الترجمة الفورية داخل الأمم المتحدة، فإن الصورة حملت لدى كثيرين دلالة رمزية: السودان يتحدث بلسان عربي فصيح، مستندًا إلى مخزون لغوي وتراثي عريق، ويخاطب الآخر بكلمات لا تحتاج إلى زخرفة كي تحمل وقعها.
فالسوداني حين يتحدث عن الكرامة لا يحتاج إلى استدعاء كثير من العبارات، فالتاريخ والمواقف حاضران في ذاكرة هذا الشعب.
«نحن قومٌ إذا نطقنا أسمعنا، وإذا صمتنا كان لصمتنا وقع، وإذا حضرنا عرف المكان أهله».
تلك ليست دعوة إلى التعالي على الآخرين، بقدر ما هي تعبير عن الثقة بالنفس والاعتزاز بالهوية والموقف. فالمكانة لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الكلمات، وإنما بما تحمله المواقف من ثبات وما يتركه أصحابها من أثر.
وليس كل من لبس ثوب العز عزيزًا، ولا كل من أكثر من ذكر اسمه صار له ذكر بين الرجال. فالتاريخ ذاكرة لا تجامل، والمواقف وحدها قادرة على منح أصحابها مكانتهم.
أما عبارة «بشِسْعِ نعلِ كُليب»، فهي استدعاء بلاغي من التراث العربي، أراد بها الحارث أن يمنح خطابه قوةً رمزية، مستحضرًا صورة كُليب وما ارتبط به في الموروث العربي من مكانة وهيبة.
وهنا كانت المفارقة اللافتة: رجل سوداني يتحدث العربية الفصحى، مستحضرًا مفردات التراث العربي أمام العالم، ومندوب عربي آخر يتابع الخطاب عبر سماعة الترجمة.
قد تكون السماعة مجرد وسيلة تقنية فرضتها طبيعة العمل الدبلوماسي داخل المنظمة الدولية، لكن المشهد في حد ذاته كان كافيًا لأن يلفت الانتباه إلى شيء أعمق: اللغة حين تحمل التاريخ تصبح أكثر من وسيلة للتواصل؛ تصبح جزءًا من هوية المتحدث وذاكرته وموقفه.
فلا فضَّ فوك يا الحارث؛ فقد تحدثت بلسانٍ عربي فصيح، وتركت للكلمات أن تحمل رسالتها، وللحاضرين أن يقرأوا ما وراءها من اعتزاز بالسودان وهويته وتاريخه.
#الحارث