17/08/2026
سوريا تدخل مرحلة جديدة... مرحلة الدولة التي تحمي، وتحاسب، وتبني
هناك أخبار تمرّ علينا كأخبار عابرة...
وهناك أخبار يجب أن نقرأ ما وراءها، لأنها ترسم ملامح مرحلة كاملة من تاريخ سوريا.
ما يجري اليوم ليس مجموعة أحداث منفصلة؛ بل مسارات متوازية تعيد تشكيل الدولة السورية سياسيًا وأمنيًا وقضائيًا واقتصاديًا.
أول الرسائل: لا أحد فوق القانون.
إن التطورات الأخيرة في ملف العدالة الانتقالية، وصدور أحكام قضائية بحق مسؤولين بارزين من النظام السابق، وفتح ملفات جديدة أمام القضاء، تحمل معنى بالغ الأهمية:
سوريا الجديدة لا تبني مستقبلها على النسيان القسري، ولا على الانتقام، وإنما على المحاسبة وفق القانون، وإنصاف الضحايا، وإغلاق ملفات الماضي من خلال العدالة.
والرسالة الثانية أكثر وضوحًا:
الأمن السوري يجب أن يكون بيد الدولة.
لا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود جزر أمنية أو تشكيلات مسلحة خارج مؤسساتها. ولذلك فإن مسار توحيد السلاح ودمج القوى ضمن مؤسسات الدولة يمثل أحد أهم الاختبارات الاستراتيجية أمام سوريا في المرحلة المقبلة.
من الشمال الشرقي إلى الساحل، ومن الجنوب إلى العاصمة، المعادلة واحدة:
دولة واحدة، قانون واحد، ومؤسسات أمنية وعسكرية تعمل تحت سلطة الدولة.
أما الرسالة الثالثة فهي سياسية بامتياز.
سوريا تتحرك لإعادة صياغة علاقاتها الدولية والإقليمية على أساس المصالح الوطنية والسيادة، مع استمرار التواصل مع القوى الإقليمية والدولية، وإعادة ترتيب العلاقات مع الحلفاء السابقين وفق معادلات المرحلة الجديدة.
وهذا يعني أن دمشق لا تريد أن تكون ساحة صراع للآخرين...
بل تريد أن تكون صاحبة قرارها.
وفي الوقت ذاته، تتحرك الدبلوماسية السورية في محيطها العربي والإقليمي، فيما تستمر الاتصالات المتعلقة بملفات الأمن والحدود ووحدة الأراضي السورية، بما يؤكد أن مستقبل سوريا لا ينفصل عن محيطها، لكن القرار النهائي يجب أن يبقى سوريًا.
ثم يأتي الملف الذي سيحدد قدرة الدولة على تحويل الاستقرار السياسي إلى حياة أفضل للمواطن:
💰 الاقتصاد.
الإصلاح المالي، التعاون مع المؤسسات الدولية، استقطاب الاستثمار، إعادة الإعمار، إعادة تشغيل قطاعات الإنتاج، وتطوير البنية التحتية...
كل ذلك ليس رفاهية.
الأمن والاستقرار هما المقدمة، والاقتصاد هو النتيجة التي يجب أن يشعر بها المواطن في منزله وعمله ومستوى معيشته.
لكن هناك رسالة أخرى لا تقل أهمية:
الدولة القوية ليست التي تعاقب خصومها فقط...
الدولة القوية هي التي تحاسب موظفها عندما يتجاوز القانون.
وأي حادثة انتهاك أو وفاة داخل مؤسسة أمنية أو شرطية يجب أن تخضع لتحقيق شفاف ومحاسبة قانونية إذا ثبتت المسؤولية.
لأن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف من الدولة...
بل بالثقة بالدولة.
وهنا يكمن الفرق بين دولة المؤسسات ودولة الأشخاص.
---
السوريون لا يريدون دولة انتقام... يريدون دولة قانون.
لا يريدون فوضى السلاح... يريدون أمنًا تحميه المؤسسات.
لا يريدون عزلة... يريدون سوريا حاضرة وفاعلة في محيطها والعالم.
لا يريدون شعارات اقتصادية... يريدون مصانع تعمل، وزراعة تنتج، واستثمارات تأتي، وفرص عمل تُخلق، وخدمات تتحسن.
لا يريدون أن تبقى سوريا رهينة الماضي...
يريدون دولة تنظر إلى المستقبل.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم يجب أن يُقرأ بعين استراتيجية:
عدالة تُفتح ملفاتها،
وأمن يعاد تنظيمه،
وسلاح يُسعى لوضعه تحت سلطة الدولة،
ودبلوماسية تعيد بناء العلاقات،
واقتصاد يبدأ رحلة التعافي،
ومؤسسات تتعلم أن القانون فوق الجميع.
هذه ليست نهاية الطريق.
بل ربما تكون أصعب وأهم مرحلة في بناء سوريا الجديدة.
فالانتصار الحقيقي ليس أن تنتصر الدولة على خصومها فقط...
بل أن تنجح في بناء دولة تجعل المواطن يشعر أن القانون يحميه، وأن مؤسساتها تعمل من أجله، وأن مستقبله لم يعد رهينة للفوضى أو السلاح أو التدخلات الخارجية.
سوريا التي نريدها ليست سوريا الأقوى على مواطنيها... بل سوريا الأقوى بمواطنيها.
دولةٌ تحمي.
دولةٌ تحاسب.
دولةٌ تبني.
دولةٌ تحترم القانون.
دولةٌ تحفظ وحدتها وسيادتها.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لسوريا الجديدة.
المستقبل لا يُمنح للأوطان... المستقبل يُبنى. وسوريا بدأت البناء. 🇸🇾
أحمد الشرع