27/09/2026
✨️💚
أكثرُ ما يثير في نفسي تلك السخرية في سلوك الشبيحة الجدد، أنها تمضي في الطريق الذي كانت حتى الأمس القريب تشير إلى سالكيه بأصابع الاتهام..
تمضي فيه حذوَ النعل بالنعل والقذّة بالقذّة..
والمشهد، في ظني، يؤكّد أمرين بالغَي الدلالة:
الأول: أنَّ وَهْمَ الغلبة حين يُسكر أصحابه، يسلبهم أثمنَ ما تمنحه الهزائم للناس: الـــعِـــبـــرة.
لقد شاهدوا بأعينهم كيف يبدأ المنحدر: استعلاءٌ بالقوة.. ثم استسهالٌ للإقصاء.. ثم تبريرٌ للبغي.. ثم شعورٌ متضخّم بأن اللحظة الراهنة أبدية.. وأن ميزان القوة الذي مال اليوم لن يميل غداً.
شاهدوا كلَّ ذلك في غيرهم..
ورأوا إلى أين انتهى بأصحابه!!
ثم ما إن دارت الأيام حتى سارعوا للوقوف على رأس المنحدر نفسه..
وكأن التاريخ لم يكن درساً أمامهم، بل كان بــروفــة لهم!
والثاني: أنهم يقدّمون بأنفسهم شهادةً تاريخية على أن خصومتهم لم تكن مع منطق التشبيح بقدر ما كانت مع هوية من يحتكره.. ببساطة المشكلة كانت لماذا ليسوا هم الشبيحة؟!!
أن ترفض الظلم حين يقع عليك أمرٌ مفهوم بل وحق وواجب.. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين تصبح قادراً على أن تفعله بغيرك.
هناك فقط يتبيّن الفرق بين من كان يعارض المبدأ، ومن كان يعارض فقط أنه لم يكن صاحب الامتياز فيه.
ولابن خلدون كلمة كأنها كُتبت لبعض مشاهد أيامنا:
«إنَّ المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده».
وهكذا حال بعض الناس.. إذا ورثوا بيتاً احترق بأهله، لم يسألوا عن سبب الحريق بل أخذوا يبحثون عن عود الثقاب!
التاريخ لا يعيد نفسه لأن لديه نقصاً في الحكايات..
بل لأن البشر كثيراً ما يعانون نقصاً في الاعتبار.
وقد لخّص القرآن هذه السنّة بعبارة تهزّ الضمير: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
لكن يبدو أن من الناس من يأبى أن يكون معتبِراً بالتاريخ.. حتى يصبح هو نفسه عِبرةً في التاريخ.
محمد عبدالله ميهوب