17/02/2026
اليمن ومجلس التعاون… دعوة في توقيت محسوب
سياق
-------------
لم تكن دعوة الرئيس الدكتور رشاد العليمي إلى إدماج اليمن بصورة شاملة في مجلس التعاون الخليجي تصريحاً بروتوكولياً في ندوة فكرية، بل جاءت في جلسة نظمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، في سياق نقاش أوسع حول الدور الخليجي في حل النزاعات، وهذا بحد ذاته يمنح التصريح بعداً سياسياً لا إعلامياً فقط.
العليمي أقرّ صراحة أن الظروف الراهنة لا تسمح بعضوية كاملة، لكنه دعا إلى توسيع الاندماج التدريجي "عبر البوابة السعودية"، في إشارة واضحة إلى مركزية الرياض في صياغة مستقبل اليمن، والرسالة هنا مزدوجة: "طموح عضوية… وواقعية مرحلية".
ملف انضمام اليمن إلى مجلس التعاون ليس جديداً، فمنذ تأسيس المجلس عام 1981 ظل اليمن خارج المنظومة، رغم انضمامه لاحقاً إلى بعض الهيئات الخليجية المتخصصة.
بعد عام 2011، ومع المبادرة الخليجية، بدا اليمن أقرب سياسياً إلى المجلس، لكن الانقلاب الحوثي عام 2014، ثم "عاصفة الحزم" في 2015، أعادا تعريف العلاقة بوصفها علاقة أمن جماعي لا تكامل اقتصادي، ومنذ ذلك الحين، أصبح استقرار الدولة اليمنية شرطاً لأي نقاش مؤسسي.
اليوم، وبعد سنوات من الحرب والتهدئة الهشة، تأتي الدعوة في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة اصطفاف، من التقارب السعودي – الإيراني إلى محاولات تثبيت مسار سياسي في اليمن، بمعنى آخر، التصريح يأتي في لحظة انتقالية، لا لحظة استقرار.
دعوة العليمي إلى "خطة مارشال خليجية" لإعادة إعمار اليمن، مع الإشارة إلى البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تعكس إدراكاً بأن الاندماج يبدأ اقتصادياً قبل أن يكون سياسياً، فالعضوية الكاملة في تكتل "اقتصادي – أمني" مستقر تتطلب دولة مستقرة أولاً.
كما شدد العليمي على أن الطريق الآمن للاندماج يمر عبر الرياض، معتبراً السعودية مركز الثقل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي، هذا التحديد يعكس قراءة يمنية واقعية لتوازنات القوة داخل المجلس.
غير أن المشهد الخليجي نفسه ليس في حالة انسجام كامل، فالتباينات "السعودية – الإماراتية" في مقاربة بعض ملفات اليمن، خصوصاً في الجنوب، تلقي بظلالها على أي تصور لاندماج سريع.
ومن الناحية المؤسسية، يتطلب انضمام أي دولة إلى مجلس التعاون إجماعاً كاملاً من الدول الست، وفي ظل استمرار الانقسام اليمني، وبقاء صنعاء خارج سلطة الدولة، يصعب تصور عضوية كاملة في المدى القريب.
اقتصادياَ، الفجوة بين مؤشرات اليمن ومؤشرات دول المجلس كبيرة، سواء في الناتج المحلي أو البنية التحتية أو الاستقرار النقدي، وأمنياً، لا تزال التهديدات العابرة للحدود، من صواريخ الحوثيين إلى نشاط القاعدة، عنصراً ضاغطاً.
لهذا، تبدو دعوة العليمي أقرب إلى طرح مسار "اندماج تدريجي" عبر التعاون القطاعي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، بدل طرح عضوية فورية، وهو مسار يراهن على التحالف مع الرياض كنقطة انطلاق.
سياسياً، الرسالة موجهة إلى الداخل اليمني بقدر ما هي موجهة إلى العواصم الخليجية، اليمن يعرّف نفسه جزءاً من الأمن الخليجي، لا ساحة صراع عليه.
إقليميًا، الدعوة تأتي في ظل تحولات في علاقة السعودية بإيران، ومحاولات تخفيف التصعيد، ما يطرح سؤالاً حول شكل النظام الإقليمي القادم، وموقع اليمن فيه، فهل سيكون شريكاً في منظومة الاستقرار، أم ملفاً أمنياً دائماً؟.
في المحصلة، لم يطرح العليمي عضوية فورية، بل أطلق رؤية بعيدة المدى، اندماج يبدأ بالاستقرار الداخلي، ويمر بالرياض، وينتهي بتكامل "جيو – اقتصادي" مع الخليج، لكن الطريق إلى مجلس التعاون لا يمر عبر البيانات، بل عبر إعادة بناء الدولة اليمنية أولًا.