18/09/2025
نورهان: الأخلاق مسؤولية، والنجومية خيار
في عالم الفن، حيث يُتقن البعض فن الأقنعة وتجسيد ما ليس في دواخلهم، يقف فنانون قلة يعتبرون الفن رسالة، فما تراه في أدوارهم ليس مجرد تمثيل، بل هو جزء من شخصيتهم الحقيقية. والفنانة نورهان واحدة من هؤلاء، فهي لم تسعَ يومًا للنجومية من أجل الشهرة أو الكذب، بل كان هدفها الأسمى هو إيصال رسالة ثقافية وتوعوية، دون أن تخفي أبدًا صدقها الإنساني.
الشاشة تحب الجمال، ونورهان من أجمل الفنانات اللاتي ظهرن عليها. لكن ما يميزها هو أن جمالها لم يكن سوى انعكاس لجمال روحي ينبع من طيبة قلبها وروحها المرحة وتواضعها الآسر. لقد كانت تمتلك كل الأسباب لتسير في طريق الشهرة السهل، لكنها لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات معينة أو قبول أدوار رخيصة لا تليق بها. إن هذا الرفض لم يكن تراجعًا، بل كان تقدمًا، لأنها تجاوزت حدود المهنة إلى رحاب الأخلاق.
تتميز نورهان بطريقة فريدة في الأداء، فهي من الفنانين القلائل الذين يمثلون من القلب، ولا تخفي هذه الحقيقة عن جمهورها. أداؤها العفوي والصادق يجعلك تدرك دائمًا أنها "نورهان" التي تؤدي دورًا بوعي كامل، وهذا الوعي هو ما يجعلك تثق بها تماماً، وكأنك تراها على سجيتها في الحياة العادية. على عكس بعض الفنانين الذين يتقنون "الإيهام الكاذب" في التمثيل لدرجة قد تجعلهم مخيفين على الصعيد الشخصي، فإن نورهان تفرض وجودها بالصدق. ولعل خير دليل على ذلك هو دورها في مسلسل "العصيان"؛ فعلى الرغم من أن فنانة أخرى أكملت دورها في الجزء الثاني، إلا أن بصمتها ظلت واضحة، لأن حضورها الفني لا يُقاس بمدة الظهور، بل بجودة الأداء وروح الفنان نفسه.
لقد تقدمت نورهان على الكثير من زميلاتها، لأنها اختارت أن تظل وفية لنفسها ومبادئها. لقد كان قرارها بالابتعاد عن الأضواء في ذروة نجاحها قرارًا شجاعًا يندر وجوده في عالم الفن، فهو يعكس شخصية تمنح الأولوية للقِيَم الإنسانية. إنها نموذج للفنان الذي يملك الشجاعة ليقول "لا" عندما يكون الموضوع إنسانياً، وتحديداً عندما يتعلق الأمر بدورها كأم تربي أجيال المستقبل. وهي نموذج يقول "لا" عندما يتعلق الموضوع بدور لا يتلاءم معها، أو عندما يكون الدور منحطًا لا يتناسب مع دوافعها الفنية والأخلاقية. وبذلك، لم تكسب فقط احترام الجمهور، بل كسبت احترام نفسها وحياتها، وهذا هو أبلغ ما يمكن أن يُقال في حق فنانة حقيقية تؤمن بأن الأخلاق مسؤولية، والنجومية خيار.