28/05/2026
23 عاماً على الرحيل … وما يزال اسم المناضل سعيد ربيعان يتقدّم الذاكرة كجرحٍ حيّ لا يندمل وصوتٍ وطني لا يخفت.
لم يكن مجرد فردٍ في سجل التاريخ، بل حالة نضالية صاغتها الأيام القاسية وصقلتها القناعة بأن الأوطان لا تُبنى إلا بتضحيات الرجال الأوفياء.
وُلد عام 1949م في قرية قدس بمحافظة تعز، وعاش طفولةً قاسية بعيداً عن والده المهاجر إلى الحبشة، لكنه حمل منذ صغره روح الكفاح والاعتماد على النفس.
في عدن، حيث تختلط رائحة البحر بأحلام التغيير، بدأت ملامح الوعي تتشكل، وهناك التقى رفيق دربه الشهيد عيسى محمد سيف.
لم تكن العلاقة بينهما مجرد زمالة دراسة، بل كانت التحاماً روحياً وفكرياً، جمعتهما أزقة المدينة وأحلام الثورة القادمة.
كانا يتقاسمان الخبز والكتب والهواجس ذاتها: وطنٌ لا ينهض إلا بأبنائه الأحرار.
ثم امتدت الرحلة إلى تعز إبان ثورة السادس والعشرين سبتمبر، حيث واصل دراسته وأسهم العمل الطلابي والسياسي وتعمّقت الشراكة الوطنية.
ومع انتقاله إلى القاهرة للدراسة، تجدد اللقاء مع رفيقه عيسى، لتتشكل بينهما خيوط فكرية متينة تجاوزت حدود الصداقة، وكأنها مشروع وعيٍ واحد يسير في طريق النضال والفكرة.
في القاهرة واصل مسيرته العلمية، فأكمل الثانوية ثم التحق بكلية الشرطة، قبل أن يتابع دراسته في الحقوق بجامعة عين شمس، متشبعاً بروح العدالة والانتماء القومي.
وعاد بعدها إلى اليمن أكثر نضجاً وإصراراً، يحمل علماً ورؤية أوسع لخدمة الوطن وبناء مؤسساته.
لكن طريقه لم يكن سهلاً، فقد طالته حملات الاعتقال خلال أحداث 15 أكتوبر 1978م، حيث اقتيد إلى السجون مع عدد من رفاقه المناضلين.
هناك، في العتمة، ازداد يقيناً بأن الفكرة لا تُعتقل، وأن الروح الوطنية لا تُهزم.
واصل بعدها مسيرته ضابطاً ومثقفاً ومناضلاً، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة، وكان من أبرز المشاركين في تأسيس أنظمة السجل المدني الموحد في اليمن، كما يُعد من مؤسسي نقابة المحامين والحقوقيين.
وظل ثابتاً على مبادئه حتى آخر لحظة، وجعل من بيته مساحة فكرية مفتوحة تحتضن الشباب وتبث الوعي الوطني.
عاش شريفاً صلب الموقف، لا يساوم على الحق ولا ينحني للفساد، حتى وافته المنية في 29 مايو 2003م، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والمواقف.
رحل جسداً، لكنه بقي فكرة لا تموت
ورمزاً للنقاء والثبات
شاهداً على زمنٍ كان فيه الإيمان بالقضية أغلى من الحياة نفسها.
#صورة للشهيد عيسى محمد سيف، وخلفه إهداء بخطه للمناضل سعيد محمد عبدالرحمن؛ كلمات كُتبت بالموقف والصداقة والأخوة الأبدية.