08/19/2026
طَواحِينُ الرَّمشِ
❤
لما رميتني بعينيكِ.
لم تكُن عينين.
كانتْ ريحاً تخلعُ أضلُعي من مَكانها.
وتزرعُ مكانَها نجمةً تترنحُ في فضاءِ الهوى.
ظاهرياً:
أنا واقفٌ هنا.
أنظرُ إليكِ.
أبتسمُ.
أتنفّسُ كأنّ شيئاً لم يَكُن.
باطناً:
أنا طائرٌ مكسورُ الجَناح.
يَبحثُ عن عُشٍّ في رَمشِكِ الأسمراني.
فلا يَجِدُ إلا سحراً يُذيبُ عَظمي.
ودفئاً يُنسيني أنّ لي جَسداً.
يا دهشتي التي لا تُشبهُ الدهشة.
يا فرحةً ترتدي ثوبَ الخوفِ كي لا تَفضحَني.
كيفَ لي أن أشرحَ ما يَحدثُ لي؟
وأنتِ مرآتي التي تَكسَّرتْ.
فأصبحتُ ألفَ صورةٍ.
كلُّها تَرجِعُ إليكِ.
أسألكِ بأهدابِكِ:
إلى أينَ تأخذينَني؟
أإلى جُرحٍ يَليقُ بعُمْري؟
أم إلى فَرَحٍ يَنسفُ ما تَبقّى من صَمتي؟
فأجابَني صمتُكِ.
قال:
"إلى حيثُ لا يَعرفُنا أحَدٌ.
حيثُ نَكونُ نَحنُ فقط.
ونَعاسُنا الثَّقيل."
هنا.
على بَرِّكِ.
رَسَينا.
فما عدتُ أعرفُ أينَ تَنتَهي أقدامي.
وأينَ تَبتدئُ رُوحُكِ.
أنا وأنتِ.
كَمَوجَتَينِ تَلتَقيانِ في لَيلِ النيل.
ثم تَنعسانِ على صَدرِ المَدى.
طُحنا يا هَوى.
لكنَّ الطَّواحينَ لا تَطحنُ القَمحَ.
هي تَطحنُ المَسافاتِ.
وتَخلِطُ الرُّوحَ بالرُّوحِ.
حتّى نَصيرَ شَيئاً واحِداً.
لا يَجرَحُه إلا بُعْدُكِ.
ولا يُداويهِ إلا قُربُكِ.
بينَ ضَحكتِكِ المُنهمِرةِ وجُرحِكِ الخَفيِّ.
وَقفتُ حائراً.
كَمن يَرى البَحرَ في قَطرةِ ماءٍ.
وَيَسمَعُ الرَّعدَ في نَبضةِ قَلبٍ.
أتوجّعُ؟
نعم.
لأنَّ الحُبَّ الحقيقيَّ وجَعٌ لَذيذٌ.
أشتاقُ؟
نعم.
لأنَّ الشَّوقَ ريحٌ جَعَلَتنا نَعْبُرُ البَرَّ بلا سَفينةٍ.
ونَطيرُ بلا جَناحينِ.
خلِّينا كده.
ماشيين.
عالطول.
بلا سؤالٍ.
بلا جوابٍ.
حتّى تُخلِّصَنا الرَّمشةُ مِن زيفِ المَكانِ.
وزيفِ الزَّمانِ.
حتّى نَغفو.
ونَحلُمَ.
ونَستَيقِظَ على وَجهِ المَلاكِ.
فلا نَجِدَ إلا عَينَيكِ.
تُحدِّقانِ في داخِلي.
وتَقولانِ:
"هذا أنا. وهذا أنتَ.
وهذا هو الهَوى."
فيا ملاكي.
لا تُوقِظيني.
فما أجمَلَ النُّعاسَ في حَضنِكِ.
وما أقسى اليَقَظةَ دونَكِ.
✍️ #نصرالسبتاني